﴿قل اللهم﴾ أصله يا الله فالميم عوض عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسم الجليل وشددت لقيامها مقام حرفين.
وقيل أصله يا الله أمنا بخير أي : اقصدنا به فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته ﴿مالك الملك﴾ أي : مالك جنس الملك على الإطلاق ملكا حقيقيا بحيث بتصرف فيه كيف ما يشاء له إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة من غير مشارك ولا ممانع وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللهم ﴿تؤتى الملك﴾ بيان لبعض وجوه التصرف الذي يستدعيه مالكية الملك وتحقيق لاختصاصها به تعالى وكون مالكية الغير بطريق المجاز كما ينبىء عنه إيثار الإيتاء الذي هو مجرد الإعطاء على التمليك المؤذن بثبوت المالكية حقيقة ﴿من تشآء﴾ إيتاءه إياه ﴿وتنزع الملك ممن تشآء﴾ نزعه منه فالملك الأول حقيقي عام ومملوكيته حقيقية والآخران مجازيان خاصان ونسبتهما إلى صاحبهما مجازية ﴿وتعز من تشآء﴾
17
أن تعزه في الدنيا أو في الآخرة أوفى فيهما بالنصر والتوفيق ﴿وتذل من تشآء﴾ أن تذله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعة من الغير ولا مدافعة ﴿بيدك الخير﴾ وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي : بقدرتك الخير كله لا بقدرة أحد من غيرك تتصرف فيه قبضا وبسطا حسبما تقتضيه مشيئتك وتخصيص الخير بالذكر لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال : بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك ولأن كل أفعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه أو لمراعاة الأدب فإن الخطاب بأن الشر منك وبيدك ترك أدب وإن كان الكل من الله تعالى.
جزء : 2 رقم الصفحة : 17
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرة من أهل المدينة أربعين ذراعا وجميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف وأخذوا يحفرونه خرج من بطن الخندق صخرة كالفيل العظيم لم تعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء عليه السلام وأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها مقدار ثلثها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال : "أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب" ثم ضرب الثانية فقال : "أضاءت لي منها القصور الحمر في أرض الروم" ثم ضرب الثالثة فقال : "أضاءت لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على الأمم كلها فأبشروا" فقال المنافقون ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزلت ﴿إنك على كل شىء قدير﴾ من الاعزاز والاذلال ﴿تولج﴾ أي : تدخل ﴿تولج اليل فى﴾ بنقص الأول وزيادة الثاني حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ﴿وتولج النهار فى اليل﴾ حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات ﴿وتخرج الحى من الميت﴾ أي : تظهر الحيوان من النطفة أو الطير من البيضة أو العالم من الجاهل أو المؤمن من الكافر أو النبات من الأرض اليابسة ﴿وتخرج الميت من الحى﴾ وهذا عكس الأول ﴿وترزق من تشآء بغير حساب﴾ قال أبو العباس المقري : ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه بمعنى التعب قال تعالى : ﴿وترزق من تشآء بغير حساب﴾ (الزمر : 10) وبمعنى العدد قال تعالى : ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ وبمعنى المطالبة قال تعالى : ﴿فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ (ص : 39) والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل ترزق أو من مفعوله وفيه دلالة على أن من قدر على أمثال هاتيك الأفاعيل العظام المحيرة للعقول فقدرته على أن ينزع الملك من العجم ويذل ويؤتيه العرب ويعزهم أهون من كل هين.
عن علي رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين من آل عمران شهد الله أنه لا إله إلا هو إلى قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام وقل اللهم إلى قوله تعالى بغير حساب معلقات ما بينهن وبين الله حجاب قلن : يا رب أتهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله عز وجل : إني حلفت أنه لا يقرأكن أحد دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه وأسكنته في حظيرة
18
جزء : 2 رقم الصفحة : 17