وحكي عن بعض الصالحين أنه رأى في المنام معروف الكرخي شاخصا بصره نحو العرش قد اشتغل على الحور العين وقصور الجنة فسأل رضوان من هذا قال معروف الكرخي مات مشتاقا إلى الله فأباح له أن ينظر إليه فمطمح نظر العارف الجنة المعنوية وهي جنة معرفة الله ووصوله التي هي خير من جنة الفردوس وأعلى عليين فليسارع السالك إلى وصول هذه الجنة ودخولها قبل إدراك منيته وانقضاء عمره ومجيىء أجله :
حضوري كرهمي خواهي ازوغائب مشو حافظ
متى ما تلق من تهوي دع الدنيا وأهملها
جزء : 2 رقم الصفحة : 145
أوصلنا الله وإياكم إلى الحضور واليقين ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه وقيل في أربعين من نجران واثنين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا وقيل في أصمحة النجاشي فإنه لما مات نعاه جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : "اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم" فقالوا : من هو؟ قال : "النجاشي" فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فابصر سرير النجاشي فصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على
155
علج نصراني حبشي لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله هذه الآية ﴿ومآ أنزل إليكم﴾ من القرآن ﴿ومآ أنزل إليهم﴾ من الكتابين ﴿خاشعين﴾ أي متواضعين له من خوف عذابه ورجاء ثوابه وهو حال من فاعل يؤمن لأن من في معنى الجمع ﴿لا يشترون﴾ لا يأخذون ﴿له مقاليد﴾ المكتوبة في التوراة والإنجيل من نعت النبي عليه السلام ﴿ثمنا قليلا﴾ أي عرضا يسيرا من حطام الدنيا خوفا على الرسالة كفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم والجملة حال مما قبله ﴿أولئك﴾ أي أهل هذه الصفة ﴿لهم أجرهم﴾ أي المختص بهم الموعود لهم في قوله تعالى : ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ ﴿عند ربهم﴾ نصب على الحالية من أجرهم والمراد به التشريف ﴿إن الله سريع الحساب﴾ لنفوذ علمه بجميع الأشياء فهو عالم بما يستحقه كل عامل من الأجر من غير حاجة إلى تأمل ووعى صدر وكتب يد والمراد أن الأجر الوعود سريع الوصول إليهم فإن سرعة الحساب تستدعى سرعة الجزاء.
جزء : 2 رقم الصفحة : 145
والإشارة في قوله : ﴿إن الله سريع الحساب﴾ إلى أن العلماء المتقين الذين يؤمنون بالواردات والإلهامات والكشوف بأرباب القلوب والخواطر الرحمانية وهم الحكماء الإلهية يعجل الله في جزاء أعمالهم بحسب نياتهم لتبليغهم إلي مقاماتهم في القرب قبل وفاتهم ولا يؤجل إلى ما بعد وفاتهم فإن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى والإنسان يموت كما يعيش ويبعث على ما مات عليه وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام وهو يقول : مالي أراك مغموما حزينا قال عليه السلام : "يا جبريل طال تفكري في أمتي يوم القيامة" قال في أمر أهل الكفر أم في أهل الإسلام فقال : "يا جبريل في أمر أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله" فأخذ بيده حتى أقامه إلى مقبرة بني سلمة ثم ضرب بجناحه الأيمن على قبر ميت فقال : قم بإذن الله فقام رجل مبيض الوجه وهو يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال جبريل عد إلى مكانك فعاد كما كان ثم ضرب بجناحه الأيسر فقال : قم بإذن الله فخرج رجل مسود الوجه أزرق العينين وهو يقول : واحسرتاه واندامتاه فقال له جبريل : عد إلى مكانك فعاد كما كان ثم قال : يا محمد على هذا يبعثون يوم القيامة وعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تموتون كما تعيشون وتبعثون كما تموتون" فظهر أن الله سريع الحساب يوصل إلى كل جزاء عمله.
فأما الواصلون فهم في الجنة المعنوية في الدنيا يتنعمون.
وأما الغافلون فهم في نار البعد والفراق ولكنهم لا يحسون الألم قبل وفاتهم فإذا ماتوا انقلب الحال من المعنى إلى الحس عصمنا الله وإياكم من نار البعد وعذاب السعير وشرفنا بنعيم وصاله ورؤية حماله المنير :
كنون بايد أي خفته بيدار بود
ومرك اندر آرد زخوابت ه سود
تواك آمدي بر حذر باش واك
كه تنكست نا اك رفتن بخاك
كنون بايد اين مرغ را اي بست
نه آنكه كه سر رشته بردت زدست
وذكر أن إبراهيم بن أدهم رحمة الله أراد أن يدخل الحمام فمنعه الحمامي وقال : لا تدخل إلا بأجرة فبكى إبراهيم وقال : لا يؤذن لي أن أدخل بيت الشياطين مجانا فكيف بالدخول إلى بيت النبيين
156
والصديقين مجانا فظهر أن من كان في الدنيا غافلا فهو في الآخرة مع الغافلين وحسابه في الآخرة على مقدار عمله فمن لم يعمل صالحا كان هناك خاليا عن المثوبات :
جزء : 2 رقم الصفحة : 145
برفتند وهركس درود آنه كشت
نماند بجز نام نيكو وزشت