قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة حوراء يقال لها لعبة لو بصقت في البحر بصقة لعذب البحر مكتوب على نحرها من أحب أن يكون له مثلي فليعمل بطاعة ربي" ونعم ما قيل :
بقدر الكد تكتسب المعالي
ومن طلب العلى سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلا
يغوص البحر من طلب اللآلي
فلا بد من تدارك أمر الآخرة.
وتوفيت امرأة الفرزدق فخرج في جنازتها وجوه أهل البصرة وخرج فيها الحسن البصري فقال الحسن للفرزدق يا أبا فراس ما أعددت لهذا اليوم قال شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة فلما دفنت قام الفرزدق على قبرها وأنشد هذه الأبيات :
أخاف وراء القبر إن لم يعافني
أشد من القبر التهابا وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد
عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى
إلى النار مغلول القلادة ازرقا
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت : النار اللهم أجره من النار" فنسأل الله سبحانه أن يجيرنا من النار ويدخلنا الجنة مع الأبرار ويوفقنا للأعمال الصالحة المنجية ويجعلنا من الفرقة الناجية بحق النبي الذي به وصل من وصل إلى الله عز وجل في المشارق والمغارب وانتهى إلى منازل المقاصد والمآرب يا اأيها الذين ءامنوا اصبروا} على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد كالمرض والفقر والقحط والخوف وغير ذلك من المشاق ﴿وصابروا﴾ وغالبوا أعداء الله في الصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى.
والمصابرة نوع خاص من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا لشدته وصعوبته وكونه أكمل وأفضل من الصبر على ما سواه والصبر هو حبس النفس عمالا يرضاه الله وأوله التصبر وهو التكلف لذلك ثم المصابرة وهي معارضة ما يمنعه عن ذلك ثم الاصطبار والاعتبار والالتزام ثم الصبر وهو كماله وحصوله من غير كلفة ﴿ورابطوا﴾ أبدانكم وخيولكم في النغور مترصدين وأنفسكم على الطاعة كما قال عليه السلام : "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات" قالوا : بلى يا رسول الله قال : "أسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط" ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ واتقوه بالتبرى مما سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح أو اتقوا القبائح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاثة المرتبة التي هي الصبر على مضض الطاعات ومصابرة النفس في رفض العادات ومرابطة السر على جناب الحق لترصد
157
الواردات المعبر عنها بالشريعة والطريقة والحقيقة فعلم من هذا أن الصبر دون المصابرة والمصابرة دون المرابطة قيل :
جزء : 2 رقم الصفحة : 145
توكز سراي طبيعت نميروي بيرون
كجا بكوى طريقت كذر تواني كرد
ولا بد من السلوك حتى يتجاوز العبد عن الأوال والمقامات إلى أقصى النهايات.
وحكي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله راجلا فإذا أعرابي على ناقة فقال : يا شيخ إلى أين؟ فقال إبراهيم إلى بيت الله قال : كيف وأنت راجل لا راحلة لك فقال : إن لي مراكب كثيرة فقال : ما هي قال : إذا نزلت علي بلية ركبت مركب الصبر وإذا نزلت علي نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضى وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى فقال الأعرابي : أنت الراكب وأنا الراجل سر في بلاد الله فالاشتغال طول العمر بالمجاهدة لازم حتى تنقلع الأخلاق الذميمة من النفس وتتبدل بالأوصاف الشريفة من الصبر وغيره ومثل هذه المجاهدة هي المرابطة.
روي أن واحدا من الصلحاء كان يختم كل ليلة ويجتهد في العبادة فقيل له : إنك تتعب نفسك وتوقعها في المشقة فقال : كم عمر الدنيا فقيل : سبعة آلاف سنة فقال : وكم مقدار يوم القيامة فقيل : خمسون ألف سنة فقال : لو عمر المرء بعمر الدنيا الحق له أن يجتهد في العبادة لهذا اليوم الطويل فإنه أسهل بالنسبة إليه.
وكانت معاذة العدوية امرأة صالحة كانت إذا جاء النهار تقول : هذا اليوم يوم متى فتشتغل بالعبادة إلى المساء فإذا جاء الليل تقول : هذه الليلة ليلة موتي فتحييها إلى الصباح إلى أن ماتت على هذه النمط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة" فهذا في الجهاد الأصغر فكيف الحال في الجهاد الأكبر يعني أن المثوبات والدرجات أكثر في حفظ النفس ومراقبتها وحبسها على الطاعات والعبادات :
نكه دار فرصت كه عالم دميست
دمى يش دانابه ازعالميست
سراز جيب غفلت بر آور كنون
كه فردا نماني بخجلت نكون
قال الحافظ :
داناكه زد تفرج اين رخ حقه باز
هنكامه بازيد ودر كفت وكوببست