تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأهل الخير ويخالطهم ويجالسهم فإن الصالح إذا غفر له يشفع لإخوانه وأصحابه.

والخامس أن يكثر الدعاء ويسأل الله تعالى أن يرزقه ويختم له بخير والحاصل أنه لا بد للعاقل من التأهب لمعاده بتزكية النفس وإصلاح القلب.

جزء : 2 رقم الصفحة : 145

قال القاشاني في تأويلاته ﴿أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر﴾ القلب من الأعمال القلبية كالإخلاص واليقين والمكاشفة ﴿أو أنثى﴾ النفس من الأعمال القالبية كالطاعات والمجاهدات والرياضيات ﴿بعضكم منا بعض﴾ يجمعكم أصل واحد وحقيقة واحدة هي الروح أن بعضكم منشأ من بعد فلا أثيب بعضا وأحرم آخر ﴿فالذين هاجروا﴾ من أوطان مألوفات النفس ﴿وأخرجوا من ديارهم﴾ من ديار صفاتها أو هاجروا من أحوالهم التي التذوا بها وأخرجوا من مقاماتهم التي يسكنون إليها ﴿وأوذوا فى سبيلى﴾ أي ابتلوا في سلوك سبيل أفعالي بالبلاء والمحن والشدائد والفتن ليتمرنوا بالصبر ويفوزوا بالتوكل أو في سلوك سبيل صفاتي بسطوات تجليات الجلال والعظمة والكبرياء ليصلوا إلى مقام الرضى ﴿وقاتلوا﴾ البقية بالجهاد في ﴿وقتلوا﴾ في الجب في بالكلية ﴿لاكفرن عنهم سيااتهم﴾ كلها من صغائر ظهور أفعالهم وصفاتهم وكبائر بقايا ذواتهم في تلويثاتهم ﴿ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار﴾ الجنات الثلاث المذكورة ﴿ثوابا من عند الله﴾ أي عوضا عما أخذت منهم من الوجودات الثلاثة ﴿والله عنده حسن الثواب﴾ ولا يكون عند غيره الثواب المطلق الذي لا ثواب وراءه ولهذا قال : والله لأنه اسم الذات الجامع لجميع الصفات فلم يحسن أن يقع غيره من الرحمن أو الرحيم أو سائر الأسماء موقعه ﴿لا يغرنك﴾ الخطاب للنبي عليه السلام لأن العصمة لا تزيل النهي فإنه لو زال النهي عنه بذلك لبطلت العصمة فإن العصمة هي الحفظ من الخلاف وإذا زال النهي لم يكن خلاف فلا تكون عصمة فالمراد تثبيته على ما هو عليه من عدم التفاته إلى الدنيا أو الخطاب له والمراد أمته كما يخاطب سيد القوم ومقدمهم والمراد به كلهم كأنه قيل : لا يغرنكم ﴿تقلب الذين كفروا فى البلاد﴾ والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب وهو التقلب منزلة المسبب وهو اغترار المخاطب للمبالغة والمعنى لا تمدن عينيك ولا تستشرف نفسك إلى ما هم عليه من سعة الرزق وإصابة حظوظ الدنيا ولا تغتر بظاهر حالهم من التبسط في الأرض والتصرف في البلاد يتكسبون ويتجرون ويتدهقنون.

جزء : 2 رقم الصفحة : 145

روي أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون أن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت ﴿متاع قليل﴾ أي ذلك التقلب متاع قليل لا قدر له في جنب ما أعد الله للمؤمنين قال عليه السلام : "ما الدنيا في الآخرة الأمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع" فإذا لا يجدي وجوده لواجديه ولا يضر فقدانه لفاقديه ﴿ثم مأواهم﴾ أي مصيرهم الذي يأوون إليه لا يبرحونه ﴿جهنم﴾ التي لا يوصف عذابها يعني أنه مع قلته سبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ﴿وبئس المهاد﴾ أي بئس بما يمهدون لأنفسهم جهنم ﴿لاكن الذين اتقوا ربهم﴾ أي خافوه فلم يخالفوا أمره ولا نهيه

153

﴿لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها﴾ وجه الاستدراك أنه تعالى لما وصف الكفار بقلة نفع تقلبهم في البلاد لأجل التجارة وجاز أن يتوهم متوهم أن قلة النفع من لوازم التقلب من حيث هو استدرك أن المتقين وأن تقلبوا وأصابوا ما أصابه الكفار أو لم يصيبوا لهم مثوبات حسني لا يقادر قدرها ﴿نزلا من عند الله﴾ حال من جنات لتخصصها بالوصف.

والنزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وغيرهما ﴿وما عند الله﴾ لكثرته ودوامه ﴿خير للابرار﴾ مما يتقلب فيه الفجار لقلته وسرعة زواله.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها أما البرة فإن الله تعالى يقول : ﴿وما عند الله خير للابرار﴾ وأما الفاجرة فإنه يقول : ﴿إنما نملى لهم ليزدادوا إثما﴾ وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة وأنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وأن عند رجليه قرظا مصبورا وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت فقال : (ما يبكيك) فقلت : يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أما ترضى أن يكون لهما الدنيا ولنا الآخرة".

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١٢٣