تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روت أم سلمة قالت : يا رسول الله إني أسمع الله يذكل الأحسنها أن يقال من بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.

قال القفال : هذا من قولهم فلان مني أي على خلقي وسيرتي وهي معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال.

جزء : 2 رقم الصفحة : 145

روت أم سلمة قالت : يا رسول الله إني أسمع الله يذكل الم من الثواب على المدح والتعظيم كأنه قال فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة من مبتدأ أوطانهم فارين إلى الله بدينهم من دار الفتنة ﴿وأخرجوا من ديارهم﴾ أي اضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشأوا بإيذاء المشركين.

قال الإمام المراد من قوله ﴿فالذين هاجروا﴾ الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول والمراد من الذين أخرجوا من ديارهم الذين ألجأوا الكفار ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لأنهم اختاروا خدمة الرسول وملازمته على الاختيار فكانوا أفضل ﴿وأوذوا فى سبيلى﴾ في سبيل الحق ودين التوحيد بسبب إيمانهم بالله ومن أجله وهو متناول لكل أذية نالتهم من قبل المشركين ﴿وقاتلوا﴾ أي الكفار في سبيل الله ﴿وقتلوا﴾ استشهدوا في القتال ﴿لاكفرن عنهم سيااتهم﴾ أي والله لأمحون عنهم سيآتهم ﴿ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار ثوابا﴾ الثواب في الأصل اسم لما يثاب به كالعطاء اسم لما يعطي إلا أنه قد يوضع موضع المصدر فهو مصدر مؤكد بمعنى إثابة لأن تكفير السيآت وإدخال الجنة في معنى الإثابة أي لأثيبنهم بذلك إثابة ﴿من عند الله﴾ صفة له أي كائنة من عند الله قصد بتوصيفه به تعظيم شأنه فإن السلطان العظيم الشأن إذا قال لعبده ألبسك خلعة من عندي دل ذلك لعى كون تلك الخلعة في غاية الشرف وأكد كون

151

ذلك الثواب في غاية الشرف بقوله : ﴿والله عنده حسن الثواب﴾ أي حسن الجزاء على الطاعات قادر عليه وهو نعيم الجنة الباقي لا كنعيم الدنيا الفاني :

نعيم آخرت باقيست اي دل

خنك آنكس كه باشد عبد مقبل

ولا يخفى أن هذا الجزاء العظيم والأجر الجسيم للذين جمعوا بين المهاجرة والإخراج من الأوطان والتأذى في سبيل الله والقتال والمقتولية.

فعلى السالك أن يهاجر من وطن النفس والعمل السيء والخلق الذميم ويخرج من ديار الطبيعة إلى عالم الحقيقة حتى يدخل مقام العندية الخاصة فإن ثمرات المجاهدات المشاهدات والعمل الصالح يستدل به على حس العاقبة.

جزء : 2 رقم الصفحة : 145

روي أن صفوان بن سليم كان يجتهد في العبادة القيام وكان يبيت على السطح في أيام الشتاء لئلا يستريح من البرد وفي الصيف ينزل إلى بيته ليعذب نفسه بحر الهواء وكان عادته ذلك إلى أن مات في سجدته ووصل إلى رحمة الله وجنته فهذا هو الاجتهاد فعليك به فإن احتالت نفسك عليك في ذلك فحدثها بأخبار السلف وأحوالهم وحكاياتهم كي ترغب في الطاعة والاجتهاد فإن في ذلك نفعا كليا وتأثيرا عظيما ، قال الفاضل الجامي قدس سره :

هجوم نفس وهوا كز ساه شيطانند

وزور بردل مرد خدا رست آرد

بجز جنود حكايات رهنمايا خود

ه تاب آنكه بران رهزنان شكست آرد

فإن قالت النفس أنهم كانوا رجالا أقوياء كيف يداني بهم في الطاعة من خلفهم فحدثها بأخبار النساء كيف كن إناثا ومع ذلك لم يتخلفن عن مجاهدات الرجال حتى وصلن إلى ما وصلوا إليه كرابعة العدوية وغيرها ، قال بعضهم :

ولو كان النساء كمن ذكرنا

لفضلت النساء على الرجال

فلا التأنيث لاسم الشمس عيب

ولا التذكير فخر للهلال

قال الشيخ السعدي قدس سره :

زناني كي طاعت برغبت برند

زمردان نا ارسا بكذرند

تراشرم نايد زمردىء خويش

كه باشد زنانرا قبول ازتوبيش

قال الحسن البصري رحمه الله يا عجبا لأقوام بلا زاد وقد نودوا بالرحيل وحبس أولهم لآخرهم وهم قعود يلعبون.

حكي أن ملك الموت دخل على بعض الصالحين ليقبض روحه فقال مرحبا أنا والله منذ خمسين سنة أتأهب لك.

ولما بلغ عبد الله بن المبارك النزع فتح عينه ثم ضحك فقال لمثل هذا فليعمل العاملون.

قال بعض العلماء : من أراد أن ينال الجنة فعليه أن يداوم على خمسة أشياء.

الأول أن يمنع نفسه من المعاصي قال الله تعالى : ﴿ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هى المأوى﴾ والثاني أن يرضى باليسير من الدنيا لأنه روى في الخبر "إن ثمن الجنة الطاعة وترك الدنيا".

والثالث أن يكون حريصا على الطاعات ويتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سبب المغفرة ووجوب الجنة قال الله تعالى ﴿وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ .

والرابع أن يحب الصالحين

152

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١٢٢