تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو عامر الواعظ : بينما أنا جالس بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءني غلام وأعطاني رقعة فإذا فيها أسعدك الله يا أخي أبا عامر بلغني قدومك واشتقت إلى رؤيتك فذهبت مع الغلام فوصلنا إلى بيت في خربة له باب من جريد النخل وإذا فيه شيخ مقعد مستقبل القبلة محزون من الخشية قد ذهبت عيناه من البكاء فسلمت عليه فرد علي السلام فقال : يا أبا عامر لم يزل قلبي إلى استماع موعظتك مشتاقا وبي داء قد أعيى الواعظين علاجه فقلت : أيها الشيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء وتنقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى تر ما أعد الله فيها للأولياء ثم انظر في نار لظى تر ما أعد الله للأشقياء فشتان ما بين الدارين وليس الفريقان على السواء فلما سمع قولي أن وصاح صيحة ثم قال : والله لقد وقع دواؤك على الداء زدني رحمك الله فقلت : إن الله عالم بسريرتك فيطلع عليك عند استتارك ومبارزتك فلما سمع صاح صيحة أعظم من الأولى فخر ميتا فعند ذلك خرجت جارية عليها مدرعة وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها فقالت : أحسنت يا مداوي قلوب العارفين إن هذا الشيخ كان والدي وهو مبتلى بالسقم منذ عشرين سنة وكان يتمناك من الله ويقول : حضرت مجلس أبي عامر فأحيى قلبي وطر عني غفلتي وإن سمعته ثانيا قتلني فجزاك الله خيرا ثم أكبت على والدها

148

وجعلت تقبل بين عينيه وتبكي فقلت لها : يا أيتها الباكية إن أباك نحبه قد مضى وورد دار الجزاء فإن كان محسنا فله الزلفى فإن كان مسيئا فوارد دار من أساء فصاحت ثم ماتت فبقيت حزينا عليهما فرأيتهما في المنام في أحسن مقام عليهما حلتان خضراوتان فسألت عن حليهما فقال الشيخ :

أنت شريكي في الذي نلته

فقم وشاهد يا أبا عامر

وكل من أيقظ ذا غفلة

فنصف ما يعطاه للآمر

ثم قال : قدمت على رب كريم غير غضبان فأسكنني الجنان وزوجني من الحور الحسان فاحرص يا أبا عامر على كثرة الدعاء والاستغفار إلى الله الملك الغفار وطلب المغفرة آناء الليل وأطراف النهار من شيم الأخيار والأبرار.

واعلم أن من تنصح بكلمة فقد آمن بمنادي الحق على لسان عبده فنجا من نيرانه ووصل إلى المغفرة والحمة في جنانه.

جزء : 2 رقم الصفحة : 145

روي أن حدادا كان يمسك الحديد المحمى بيده فسئل عنه فقال : عشقت امرأة فراودتها وعرضت عليها مالا فقالت : إن لي زوجا لا أحتاج إلى المال ثم مات زوجها فطلبت أن أتزوجها فامتنعت وقالت : لا أريد إذلال أولادي ثم بعد زمان احتاجت فأرسلت إلي فقلت : لا أعطيك شيئا حتى تعطيني مرادي فلما دخلت معها موضعا ارتعدت فقلت : مالك؟ فقالت : أخاف الله السميع البصير فتركتها فقالت : أنجاك الله من النار فمن ذلك الوقت لا تحرقني نار الدنيا وأرجو من الله تعالى أن لا تحرقني نار الآخرة فمن خشي الرحمن وذكر أنه بمحضر من الله فهو لا يجترىء على الذنب والآثام فيسلم من عذاب النار ويتنعم في دار السلام عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" وأما الدعاء فهو مخ العبادة وينفع في الدنيا فيدفع الآفات وأما في الآخرة فإن الله يعطيه هدايا على أيدي الملائكة ويقول : إن هذه في مقابلة دعائك في الدنيا :

از آستان حضرت حق سررا كشم

دولت درين سرا وكشايش درين درست

قال الحافظ :

هركه خواهد كوبيا وهره خواهد كوبكو

كبروناز وحاجب ودربان درين دركاه نيست

حقق الله رجاءنا وقبل دعاءنا وأعطانا ما هو خير لنا في الدنيا والآخرة ﴿ربنا وءاتنا﴾ أعطنا ﴿ما وعدتنا على رسلك﴾ على تصديق رسلك أو على ألسنة رسلك من الثواب والكرامة ﴿ولا تخزنا﴾ لاتهنا ﴿يوم القيامة﴾ بأن تعصمنا مما يقتضيه ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾ اسم مصدر بمعنى الوعد وهذا الدعوات وما في تضاعيفها من كمال الضراعة والابتهال ليست لخوفهم من إخلاف الميعاد بل لخوفهم أن لا يكونوا من جملة الموعودين لسوء عاقبة.

أو قصور في الامتثال فمرجعها إلى الدعاء بالتثبيت أو للمبالغة في التعبد والخشوع.

ثم قوله : ﴿ولا تخزنا يوم القيامة﴾ شبيه بقوله : ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ (الزمر : 47) فإنه ربما ظن الإنسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح ثم أنه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضالا وعمله كان ذنبا فهناك تحصل الحجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد وذلك هو العذاب الروحاني وهو أشد من العذاب

149

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١٢٠