واعلم أن الآية تدل على جواز ذكر الله تعالى قائما ولهذا قال المشايخ ولا بأس أن يقوموا ترويحا لقلوبهم ولا يتحركوا في ذلك ولا يستظهروا بحال ليس عندهم منه حقيقة.
والحاصل أن التوحيد إذا قرن بالآداب فليس له وضع مخصوص يجوز قائما وقاعدا ومضجعا ولكن ورد في الأحاديث ما يدل على استحباب الإخفاء في ذكر الله وذكر شارح الكشاف أن هذا بحسب المقام والشيخ المرشد يأمر المبدأ برفع الصوت لتنقلع عن قلبه الخواطر الراسخة فيه كذا في "شرح المشارق" ويوافقه ما ذكر في "المظهر" حيث قال : الذكر برفع الصوت جائز بل مستحب إذا لم يكن عن رياء ليغتنم الناس بإظهار الدين ووصول بركة الذكر إلى السامعين في الدور والبيوت والحوانيت ويوافق الذاكر من سمع صوته ويشهد له يوم القيامة كل رطب ويابس سمع صوته وبعض المشايخ اختار الإخفاء لأنه أبعد عن الرياء وهذا يتعلق بالنية فمن كانت نيته صادقة فرفع صوته بقراءة القرآن والذكر أولى لما ذكرنا ومن خاف من نفسه الرياء فالأولى له إخفاء الذكر لئلا يقع في الرياء انتهى قيل : إذا كان وحده فإن كان من الخواص فالإخفاء في حقه أولى وإن كان من العوام فالجهر في حقه أولى وإذا كانوا مجتمعين على الذكر فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر والقوة فإنه أكثر تأثيرا في رفع الحجب ومن حيث الثواب فلكل واحد ثواب ذكر نفسه وسماع ذكر رفقائه قال الله تعالى : ﴿ثم قست قلوبكم منا بعد ذالك فهى كالحجارة أو أشد قسوة﴾ (البقرة : 74) شبه القلوب بالحجارة ومعلوم أن الحجر لا ينكسر إلا بقوة فقوة ذكر جماعة مجتمعين على قلب واحد أشد من قوة ذكر شخص واحد كذا في "ذخرة العابدين" ، قال حسين الواعظ الملقب بالكاشفي :
جزء : 2 رقم الصفحة : 145
كفت وكوى عاشقان دركار رب
جوشس عشقست نه ترك ادب
هركه كرد ازجام حق يك جرعه نوش
نه ادب ماند درو نه عقل وهوش
والمقصود أن السالك إذا سلب اختياره عند التوحيد بغلبة الوجد فلا دخل لشيء من أوضاعه وحركاته فإنه إذا ليس في يده فلا يرد ما قيل :
كار نادان كوته انديشست
ياد كردن كسى كه دريشست
فإن الجهر وحركات الموحد بالنسبة إلى مقامه وحاله ممدوحة جدا وأما المتصلفون المتكلفون فحركاتهم وأفعالهم من عند أنفسهم وقد نهى المشايخ في كتبهم عن أمثال هؤلاء وأفعالهم وأقوالهم.
فعلى العاقل أن يراعي الآداب والأطوار ولا ينفك لحظة عن ذكر الملك الغفار ﴿ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ غاية الإخزاء ونظيره قولهم : "من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك" أي المرعى الذي لا مرعى بعده والمراد به تهويل المستعاذ منه تنبيها على شدة
147
خوفهم وطلبهم الوقاية منه وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع.
﴿وما للظالمين من أنصار﴾ أراد بهم المدخلين وجمع الأنصار بالنظر إلى جمع الظالمين أي وما لظالم من الظالمين نصير من الأنصار والمراد به من ينصر بالمدافعة والقهر فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة لأنها هي الدفع بطريق اللين والمسألة فنفى النصرة لا يستلزم نفي الشفاعة ﴿ربنآ إننا سمعنا مناديا ينادى للايمان﴾ أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه والمراد به الرسول عليه السلام فإنه ينادي ويدعو إلى الإيمان حقيقة قال تعالى : ﴿ادع إلى سبيل ربك﴾ (النمل : 125) ﴿أن ءامنوا﴾ أي آمنوا على أن أن تفسيرية أو بأن آمنوا على أنها مصدرية ﴿بربكم﴾ بمالككم ومتولى أموركم ومبلغكم إلى الكمال ﴿فاامنا﴾ أي فامتثلنا بأمره وأجبنا نداءه ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا﴾ أي : كبائرنا فإن الإيمان يجب ما قبله ﴿وكفر عنا سيئاتنا﴾ أي : صغائرنا فإنها مكفرة عن مجتنب الكبائر ﴿وتوفنا﴾ أي : اقبض أرواحنا ﴿مع الابرار﴾ أي : مخصوصين بصحبتهم مغتنمين بجوارهم معدودين من زمرتهم فالمراد من المعية ليس المعية الزمانية لأن ذلك محال ضرورة أن توفيهم إنما هو على سبيل التعاقب بل المراد المعية في الاتصاف بصفة الأبرار حال التوفي.
وفيه إشعار بأنهم كانوا يحبون لقاء الله ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه فمن جعل الله ممن آمن بداعي الإيمان فقد أكرمه مع أوليائه في الجنان فطوبى للذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وطوبى لمن اتعظ بالموعظة الحسنة ، قال الحافظ :
جزء : 2 رقم الصفحة : 145
نصيحت كوش كن جانا كه ازجان دوست تردارند
جوانان سعاد تمند ند يردانارا
قال الشيخ السعدي :
يكوى آنه داني سخن سود مند
وكر هي كس را نيايد سند
كه فردا شيمان بر آرد خروش
كه أوخ راحق نكردم بكوش