على الاستعاذة.
وفيه إشارة إلى عظم ذكر الله وإشارة إلى ثلاث مراتب : أولاها الذكر باللسان ، وثانيتها التفكر بالقلب ، وثالثتها المعرفة بالروح لأن ذكر اللسان يوصل صاحبه إلى ذكر القلب فهو الفكر في قدرة الله وذكر القلب يوصل إلى مقام الروح فيعرف في ذلك حقائق الأشياء ويشاهد الحكم الإلهية في خلق الله فيقول بعد المشاهدة ﴿ربنا ما خلقت هاذا باطلا﴾ فينبغي للمؤمن أن يلازم ذكر الله بلسانه في جميع الأحوال حتى يصل بسبب الذكر باللسان إلى ذكر القلب ثم إلى ذكر الروح ويحصل له اليقين والمعرفة ويخلص من ظلمة الجهل ويتنور بنور المعرفة.
قال بعضهم : معنى لا إله إلا الله للعوام لا معبود إلا الله.
ومعناها للخواص لا محبوب ولا مقصود إلا الله.
ومعناها لأخص الخواص لا موجود إلا الله فإنه يكون في تلك الحالة مستهلكا في بحر الشهود فلا يشعر بشيء سوى الله ولا يرى موجودا.
وفي "تفسير الحنفي" منقول في التوحيد أربع مراتب وهو ينقسم إلى لب وإلى لب اللب وإلى قشر وإلى قشر القشر.
وتمثيل ذلك تقريبا إلى الإفهام الضعيفة بالجوز في قشرتيه العليا والسفلى فإن له قشرتين وله لب وللب دهن وهو لب اللب.
فالمرتبة الأولى من التوحيد أن يقول الإنسان باللسان لا إله إلا الله وقلبه غافل عنه أو منكر له كتوحيد المنافق.
والثانية أن يصدق بمعناه قلبه كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد.
والثالثة أن يشاهد ذلك بواسطة نور إلهي وذلك أن يرى الأشياء صادرة من الواحد القهار.
والرابعة أنه لا يرى في الوجود إلا وجودا وهو مشاهدة الصديقين وهو الفناء في التوحيد بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه.
فالأول موحد بمجرد اللسان ويعصم ذلك صاحبه في الدنيا من السيف والسنان.
والثاني موحد بمعنى أنه معتقد بقلبه مفهوم لفظه وقلبه خال من التكذيب بما انعقد عليه قلبه وهو عقد على القلب ليس فيه انشراح وانفتاح ولكنها تحفظ صاحبها من العذاب في الآخرة إن توفي عليها ولم يضعف بالمعاصي عقدتها ولهذا العقد حيل يقصد بها تضعيفه وتحليله تسمى بدعة.
والثالث موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحدا إذا انكشف له لا فاعل بالحقيقة كما هي عليه لأنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة فإن ذلك رتبة العوام والمتكلمين إذ لا فرق بينهما في الاعتقاد بل فيه صفة تلفيق الكلام.
والرابع موحد بمعنى أنه لا يرى غير الواحد وهذه الغاية القصوى في التوحيد.
فالأول كالقشرة العليا من الجوز.
والثاني كالقشرة السفلى.
والثالث كاللب.
والرابع كالدهن المستخرج من اللب وكما أن القشرة العليا لا خير فيها بل إن أكل فهو مر المذاق وإن نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر وإن أخذ حطبا أطفأ النار وأكثر الدخان وإن ترك في البيت ضيق المكان ولا يصلح إلا أن يترك مدة على الجوز للصون ثم يرمى فكذلك التوحيد فمجرد اللسان عديم الجدوى كثير الضرر مذموم الظاهر والباطن لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت والقشرة السفلى هي البدن فيصون من السيف وإنما يتجرد عند الموت فلا يبقى لتوحيده فائدة بعده وكما أن القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا فإنه يصون اللب ويحرسه من الفساد عند الادخار وإذا فصل أمكن أن ينتفع به حطبا لكونه لا قدر له بالنسبة إلى اللب فكذلك مجرد الاعتقاد من غير كشف
146
جزء : 2 رقم الصفحة : 145
كثير النفع بالإضافة إلى مجرد نطق اللسان ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والمجاهدة التي تحصل بانشراح الصدر وانفتاحه وإشراق نور الحق فيه إذ ذلك الشرح هو المراد بقوله تعالى : ﴿أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه﴾ (الزمر : 22) وقوله : ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام﴾ وكما أن اللب نفيس بالإضافة إلى القشرة لأنه المقصود لكن لا يخلو عن شوب بالنسبة إلى الدهن كذلك هذا التوحيد لا يخلو عن ملاحظة الغير والالتفات إلى الكثرة بالإضافة إلى من لم ير سوى الواحد الحق انتهى ما في الحنفي.