تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿الذين يذكرون الله﴾ الخ فإن ذلك لا يتم إلا باستعمال الجوارح والأعضاء وأشار إلى عبودية القلب والروح بقوله : ﴿ويتفكرون فى خلق السماوات والارض﴾ .

وعن عطاء بن أبي رباح قال : دخلت مع ابن عمر وعبيد الله بن عمر على عائشة رضي الله عنها فسلمت عليها فقالت : من هؤلاء؟ فقلت : عبيد الله بن عمر فقالت : مرحبا بك يا عبيد الله بن عمر مالك لا تزورنا؟ فقال عبيد الله : زر غبا تزدد حبا قال ابن عمر : دعونا من هذا حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله عليه السلام فبكت بكاء شديدا فقالت : كل أمره عجيب أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي فقال : "يا عائشة أتأذنين لي أن أتعبد لربي" فقلت : والله إني لأحب قربك وهواك قد أذنت لك فقام إلى قربة من ماء فتوضأ منها ثم قام فبكى وهو قائم حتى بلغ الدموع حقويه حتى اتكأ على شقه الأيمن ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن فبكى حتى ادرت الدموع وبلغت الأرض ثم أتاه بلال بعدما أذن للفجر فلما رآه يبكي قال : لم تبكي يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : "يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ومالي لا أبكي وقد أنزلت علي الليلة إن في خلق السموات والأرض إلى قوله فقنا عذاب النار ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" وفي الحديث "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة".

وفي التفضيل وجهان :

أحدهما : أن التفكر يوصلك إلى الله ، والعبادة توصلك إلى ثواب ، الله والذي يوصلك إلى الله خير مما يوصلك إلى غير الله.

والثاني : أن التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح والقلب أشرف من الجوارح فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح.

ثم شرع في تعليم الدعاء تنبيها على أن الدعاء إنما يجدي ويستحق الإجابة إذا كان بعد تقديم الوسيلة وهي إقامة وظائف العبودية من الذكر والفكر فقال :

جزء : 2 رقم الصفحة : 143

﴿ربنآ﴾ يعني يتفكرون ويقولون ربنا ﴿ما خلقت هاذا﴾ أي السموات والأرض وتذكير الضمير لما أنهما باعتبار تعلق الخلق بهما في معنى المخلوق ﴿باطلا﴾ أي خلقا باطلا عبثا ضائعا عن الحكمة خاليا عن المصلحة كما ينبىء عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التفكر فيه بل منتظما لحكم جليلة ومصالح عظيمة من جملتها أن يكون مدارا لمعايش العباد ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدأ والمعاد حسبما أفصحت عنه الرسل والكتب الإلهية

جزء : 2 رقم الصفحة : 145

﴿سبحانك﴾ أي ننزهك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها خلق ما لا حكمة فيه ﴿فقنا عذاب النار﴾ أي من عذاب النار الذي هو جزاء الذين لا يعرفون ذلك وفائدة الفاء هي الدلالة على أن علمهم بما لأجله خلقت السموات والأرض حملهم

145

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١١٧