حكي أن الحجاج أرسل إلى الحسن وقال : ما الذي بلغني عنك؟ فقال : ما كل الذي بلغك قلته ولا كل ما قلته بلغك قال : أنت الذي قلت أن النفاق كان مقموعا فأصبح قد تعمم وتقلد سيفا فقال : نعم فقال : وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه قال : لأن الله أخذ ميثاق الذي أوتوا الكتاب لتبييننه للناس ولا تكتمونه.
قال قتادة مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب وكان يقول : طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع هذا علم علما فبذله وهذا سمع خبرا فوعاه قال صلى الله عليه وسلم "من كتم علما على أهله الجم بلجام من نار".
قال الفضيل رحمه الله : لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعا وعز الإسلام وأهله ولكنهم أذلوا أنفسهم ولم يسألوا ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك مما في أيدي الناس فذلوا وهانوا على الناس.
وعن الفضيل أيضا قال : بلغني أن الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأصنام فيقولون : ربنا ما بالنا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع في خسران مبين ولا يخفى أن مداره على حب الدنيا ساقنا الله وإياكم إلى طريق القناعة.
حكي أن ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على أبوابهم يقتاتون بنبات الأرض ويشتغلون بالطاعة فأرسل ذو القرنين إلى رئيسهم فقال : مالي حاجة إلى صحبة ذي القرنين فجاء ذو القرنين فقال : ما سبب قلة الذهب والفضة عندكم؟ قال : ليس للدنيا طالب عندنا لأنها لا تشبع أحدا فجعلنا القبور عندنا حتى لا ننسى الموت ثم أخذ قحف إنسان وقال : هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعية ويجمع حطام الدنيا فقبضه الله تعالى وبقي عليه السيآت ثم أخرج آخر وقال هذا أيضا رأس ملك عادل مشفق فقبضه وأسكنه جنته ورفع درجته ثم وضع يده على رأس ذي القرنين
142
وقال : من أي الرأسين يكون رأسك؟ فبكى ذو القرنين وقال : إن رغبت في صحبتي شاطرتك مملكتي وسلمت إليك وزارتي فقال : هيهات فقال ذو القرنين : ولم؟ قال : لأن الناس أعداؤك بسبب المال والمملكة وجميعهم أحبابي بسبب القناعة.
جزء : 2 رقم الصفحة : 138
نيرزد عسل جان من زخم نيش
قناعت نكوتر بدو شاب خويش
كدايى كه هر خاطرش بندنيست
به ازاد شاهى كه خرسند نيست
اكرادشا هست اكر بينه دوز
وخفتند كرددشب هردوروز
جزء : 2 رقم الصفحة : 138
﴿لا تحسبن﴾ يا محمد أو الخطاب لكل أحد ممن يصلح له ﴿الذين يفرحون بمآ أتوا﴾ أي : بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق.
﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق ﴿فلا تحسبنهم﴾ تأكيد لقوله لا تحسبن والمفعول الثاني له قوله : ﴿بمفازة من العذاب﴾ أي ملتبسين بنجاة منه ﴿ولهم عذاب أليم﴾ بكفرهم وتدليسهم ﴿ولله﴾ أي : خاصة ﴿ملك السماوات والارض﴾ أي السلطان القاهر فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيف يشاء ويريد إيجادا وإعداما إحياء وإماتة تعذيبا وإثابة من غير أن يكون لغيره شائبة دخل في شيء من ذلك بوجه من الوجوه وهو يملك أمرهم ويعذبهم بما فعلوا لا يخرجون عن قبضة قدرته ولا ينجون من عذابه يأخذهم متى شاء ﴿والله على كل شيء قدير﴾ فيقدر على عقابهم وكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا المالك القادر.
روي أنه عليه السلام سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيه وأروه أنهم قد صدقوا وفرحوا بما فعلوا فنزلت وقيل : هم المنافقون كافة وهو الأنسب بظاهر قوله تعالى : ﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ فإنهم كانوا يفرحون بما فعلوه من إظهار الإيمان وقلوبهم مطمئنة بالكفر ويستحمدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألف منزل وكانوا يظهرون محبة المؤمنين وهم في الغاية القاصية من العداوة والأولى إجراء الموصول على عمومه شاملا لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرح به فرح إعجاب ويود أن يمدحه الناس بما هو عار من الفضائل وأنواع البر وكون السبب خاصا لا يقدح في عمومية حكم الآية.
جزء : 2 رقم الصفحة : 143
واعلم أن الفرح بمتاع الدنيا وحب مدح الناس من صفات أرباب النفس الأمارة المغرورين بالحياة الدنيا وتمويهات الشيطان المحجوبين عن السعادات الأخروية والقربات المعنوية.
قال الإمام في تفسيره وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك فإنهم يأتون بجميع وجوه الحيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان مطلوبهم ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم من أهل العفاف والصدق والدين.