تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بصبر قوي وهو عليه السلام كان صبورا لتحمل الأذى أكثر من أن يحصى قال عليه السلام : "صل من قطعك واعف عمن ظلمك وأحسن إلى من أساء إليك" وما أمر عليه السلام غيره بها إلا بعد أن تخلق بها وأمته لا بد أن تتبعه في تحمل الأذى وغيرها لا تسمع بدون الحجة القوية والابتلاآت التي ترد من طرف الحق كلها لتصفية النفس وتوجيهها من الخلق إلى الخالق ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت" كأنه قال ما صفي نبي مثل ما صفيت وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله على المشركين فقال : "إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا" فالابتلاء رحمة ونعمة ، قال جلال الدين قدس سره :

جزء : 2 رقم الصفحة : 138

درد شتم داد حق تامن زخواب

بر جهم درنيم شب باسوز وتابتانخسبم جمله شب ون كاوميش

دردها بخشيد حق از لطف خويش

والإشارة في الآية ﴿لتبلون فى أموالكم وأنفسكم﴾ بالجهاد الأصغر هل تجاهدون بها وتنفقونها في سبيل الله وبالجهاد الأكبر أما الأموال فهل تؤثرون على أنفسكم ولو كان بكم خصاصة وأما الأنفس فهل تجاهدون في الله حق جهاده أو لا ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ يعني أهل العلم الظاهر ﴿ومن الذين أشركوا﴾ أي أهل الرياء من القراء والزهاد ﴿أذى كثيرا﴾ بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض ﴿وأن تصبروا﴾ على جهاد النفس وبذل المال وأذية الخلق ﴿وتتقوا﴾ بالله عما سواه ﴿فإن ذالك من عزم الامور﴾ الذي هو من أمور أولي العزم كما قال ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ (الأحقاف : 35) ومن لم يحافظ على هذه الأمور كان من المدعين.

مشكل آيد خلق را تغيير خلق

آنكه بالذات است كى زائل شود

أصل طبع است وهمه أخلاق فرع

فرع لا بد أصل را مائل شود

جزء : 2 رقم الصفحة : 138

فظهر أن من لم يهد الله لا يهتدي إلى مكارم الأخلاق وحسان الخصال وسنيات الأحوال ﴿وإذ أخذ الله﴾ أي : اذكر يا محمد وقت أخذه تعالى ﴿ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ وهم علماء اليهود والنصارى وذلك أخذ على لسان الأنبياء عليهم السلام ﴿لتبيننه﴾ حكاية لما خوطبوا به والضمير للكتاب وهو جواب قسم ينبىء عنه أخذ الميثاق كأنه قيل لهم بالله لتبينه ﴿للناس﴾ وتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار التي من جملتها أمر نبوته صلى الله عليه وسلم وهو المقصود بالحكاية ﴿ولا تكتمونه﴾ عطف على الجواب وإنما لم يؤكذ بالنون لكونه منفيا كما في قولك : والله لا يقوم زيد.

﴿فنبذوه﴾ النبذ الرمي والإبعاد أي طرحوا ما أخذ منهم من الميثاق الموثوق بفنون التأكيد والقوه ﴿ورآء ظهورهم﴾ ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلا فإن نبذ الشيء وراء الظهر مثل في الاستهانة به والإعراض عنه بالكلية كما أن جعله نصب العين علم في كمال العناية ﴿واشتروا به﴾ أي : بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه والاشتراء مستعار لاستبدال متاع الدنيا بما كتموا أي تركوا ما أمروا به وأخذوا بدله.

﴿ثمنا قليلا﴾ أي شيئا تافها حقيرا من حطام الدنيا وأعراضها ، وهو ما تناولوه من سفلتهم فلما كرهوا أن يؤمنوا فينقطع ذلك عنهم كتموا ما علموا من ذلك وأمروهم أن يكذبوه ﴿فبئس ما يشترون﴾ ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس ويشترون

141

صفة والمخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن وظاهر الآية وإن دل على نزولها في حق اليهود والنصارى الذين كانوا يخفون الحق ليتوسلوا بذلك إلى وجدان شيء من الدنيا إلا أن حكمهما يعم من كتم من المسلمين أحكام القرآن الذي هو أشرف الكتب وأنهم أشراف أهل الكتاب.

قال صاحب الكشاف وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب لمسارهم أو لجر منفعة من حطام الدنيا لنفسه مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل بالعلم وغيرة أن ينسب إلى غيرهم انتهى بعبارته فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئا من هذه الأمور دخل تحت وعيد الآية كذا في "تفسير الإمام".

فعلى المرء أن يحسن نيته حال الإضمار والإظهار ويطهر سريرته من لوث الإعراض والأوزار والإنكار :

جزء : 2 رقم الصفحة : 138

زيان مى كند مرد تفسير دان

كه علم وأدب ميفروشد بنان

بدين أي فرومايه دنى مخر

وخر بانحبيل عيسى مخر

يعني لا تشتر بالعلم والقرآن ما تربي به نفسك من شهواتك ولا تخف من الخلق من إظهار الأحكام وأصدع بما أمرت به.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١١٤