واعلم أن البعد عن النار ودخول الجنة بالاجتناب عن المعاصي والمسارعة إلى الطاعة وذلك بالهرب عن مقام النفس والدخول في مقام القلب فإن من دخل حرم القلب كان آمنا كما قال تعالى : ﴿ومن دخله كان ءامنا﴾ (آل عمران : 97) فمن وصل إلى ذلك الحرم فقد خلص من أنواع الألم فهو جنة عاجلة.
قال بعضهم للعارف : جنة عاجلة وهي جنة المعرفة.
ثم إن أعظم أسباب دخول الجنة كلمة الإخلاص والتوحيد وفقنا الله وإياكم.
ثم اعلم أن النفوس على ثلاثة أقسام : قسم منها يموت ولا حشر له للبقاء كسائر الحيوانات ، وقسم يموت في الدنيا ويحشر في الآخرة كنفوس الإنسان والملائكة والجن والشياطين ، وقسم منها يموت في الدنيا ويحشر في الدنيا والآخرة جميعا وهي نفوس خواص الإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام : "المؤمن حي في الدارين" على أن لها موتا معنويا في الدنيا كما قال تعالى : ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس﴾ (الأنعام : 122) وهو البقاء بنور الله ففي قوله : ﴿كل نفس ذآااقة الموت﴾ إشارة إلى
139
أن كل نفس مستعدة للفناء في الله فلا بدلها من موت فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب ومن كان فناؤه في الله يكون بقاؤه بالله ﴿وإنما توفون أجوركم﴾ على قدر تقواكم وفجوركم ﴿فمن زحزح عن النار﴾ أي عن نار القطيعة وأخرج من جحيم الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة ﴿وأدخل الجنة﴾ الحقيقية ﴿فقد فازا وما الحيواة الدنيآ﴾ ونعيمها ﴿إلا متاع الغرور﴾ أي متاع يغتر به المغرور والممكور ﴿لتبلون﴾ أصل الإبتلاء الإختبار أي تطلب الخبرة بحاله المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالبا ملابسة أو مفارقة وذلك إنما يتصور ممن لا وقوف له على عواقب الأمور وأما من جهة العليم الخبير فلا يكون إلا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار أحد الأمرين أو الأمور قبل أن يرتب عليه شيء هو من مباديه العادية.
والجملة جواب قسم محذوف أي والله لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأعمال الحسنة
جزء : 2 رقم الصفحة : 138
﴿فى أموالكم﴾ بما يقع فيها من ضروب الآفات المؤدية إلى الهلاك ﴿وأنفسكم﴾ بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد ونحو ذلك ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي من قبل إيتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى ﴿ومن الذين أشركوا﴾ من العرب كأبي جهل والوليد وأبي سفيان وغيرهم ﴿أذى كثيرا﴾ من الطعن في الدين الحنيف والقدح في أحكام الشرع الشريف وصد من أراد أن يؤمن وتخطئة من آمن وما كان من كعب بن الأشرف وأصحابه من هجاء المؤمنين وتحريض المشركين على مضادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما لا خير فيه أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال على المكروه ويستعدوا للقائها فإن هجوم الأوجال مما يزلزل أقدام الرجال والاستعداد للكروب مما يهون الخطوب ﴿وأن تصبروا﴾ على تلك الشدائد والبلوى عند ورودها وتقابلوها بحسن التقابل.
﴿وتتقوا﴾ أي : تتبتلوا إلى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه ﴿فإن ذالك﴾ يعني : الصبر والتقوى ﴿من عزم الامور﴾ من معزوماتها التي تنافس فيها المتنافسون أي مما يجب أن يعزم عليه كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف أو مما عزم الله تعالى عليه وأمر به وبالغ فيه يعني أن ذلك عزمة من عزمات الله لا بد أن تصبروا وتتقوا.
واعلم أن مقابلة الإساءة تفضي إلى ازدياد الإساءة فأمر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا وأمر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة فالآية جامعة لآداب الدنيا والآخرة.
فعلى العاقل أن يتخلق بأخلاق الأنبياء والأولياء ويتأدب بآدابهم فإنهم كانوا يصبرون على الأذى ولا يقابلون السفيه بمثل مقابلته وإذا مروا باللغو مروا كراما.
بدى را بدى سهل باشد جزا
اكر مردى احسن الى من أساء
وقد مدح الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : "وإنك لعلى خلق عظيم" قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، يعني تأدب بآداب القرآن قيل مدار عظم الخلق بذل المعروف وكف الأذى أي احتماله ورسول الله عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بها وقد أنزل الله في معروفه ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ (الإسراء : 29) وتحمل الأذى إنما يكون
140