تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾ نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام الذي جاء به النبي عليه السلام وأنكروا نبوته ﴿إلا منا بعد ما جآءهم العلم﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أي : وما اختلفوا في دين الله الإسلام ونبوة محمد عليه السلام في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا بأنه الحق الذي لا محيد عنه أو بعد أن علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالحجج والآيات الباهرة.

وفيه من الدلالة على ترامي حالهم في الضلالة ما لا مزيد عليه فإن الاختلاف بعد حصول تلك المرتبة مما لا يصدر عن العاقل ﴿بغيا بينهم﴾ مفعول له لقوله : اختلف أي : حسدا كائنا بينهم وطلبا للرياسة لا شبهة وخفاء في الأمر وهو تشنيع إثر تشنيع ﴿ومن يكفر باايات الله﴾ الناطقة

13

بما ذكر من أن الدين عند الله الإسلام ولم يعمل بمقتضاها ﴿فإن الله سريع الحساب﴾ قائم مقام جواب الشرط علة له أي : ومن يكفر بآياته تعالى فإنه يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريع الحساب أي : يأتي حسابه عن قريب أو سريع في محاسبة جميع الخلائق لأنه يحاسبهم في أقل من لمحة بحيث يظن كل أحد منهم أنه أي : الله يحاسب نفسه فقط.

﴿فإن حآجوك﴾ أي : في كون الدين عند الله الإسلام ﴿فقل أسلمت وجهى﴾ أي : أخلصت نفسي وقلبي وجملتي وحده لم أجعل فيها لغيره شركا بأن أعبده وأدعوه إلها معه يعني دين التوحيد وهو القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه ﴿ومن اتبعن﴾ عطف على المتصل في أسلمت وحسن ذلك لمكان الفصل الجاري مجرى التأكيد بالمنفصل أي : وأسلم من اتبعني وجوههم أيضا ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب﴾ أي : من اليهود والنصارى ﴿والاميان﴾ الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب ﴿ءأسلمتم﴾ متبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد آتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعملتم بقضيتها أم أنتم بعد على كفركم؟ وهو استفهام بمعنى الأمر أي : أسلموا وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته : فهل فهمتها ﴿فإن أسلموا﴾ أي : كما أسلمتم وأخلصتم ﴿فقد اهتدوا﴾ أي : فازوا بالحظ الأوفر ونجوا من مهاوي الضلال ﴿وإن تولوا﴾ أي : أعرضوا عن الاتباع وقبول الإسلام ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ قائم مقام الجواب أي : لم يضروك شيئا إذ ما عليك إلا البلاغ أي : التبليغ بالرسالة دون الهداية وقد فعلت على أبلغ وجه.

جزء : 2 رقم الصفحة : 12

روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لما قرأ هذه الآية على أهل الكتاب قالوا : أسلمنا فقال صلى الله عليه وسلم لليهود "أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله" فقالوا : معاذ الله وقال صلى الله عليه وسلم للنصارى : "أتشهدن أن عيسى عبد الله ورسوله" فقالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبدا) وذلك قوله عز وجل وإن تولوا : ﴿والله بصيرا بالعباد﴾ عالم بجميع أحوالهم وهو وعد ووعيد.

جزء : 2 رقم الصفحة : 12

﴿إن الذين يكفرون باايات الله﴾ أي : آية كانت فيدخل فيهم الكافرون بالآيات الناطقة بحقية الإسلام ﴿ويقتلون النبيان بغير حق﴾ هم أهل الكتاب قتل أولوهم الأنبياء عليهم السلام وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمهم الله وقد أشير إليه بصيغة الاستقبال قال في سورة البقرة : ﴿بغير الحق﴾ (البقرة : 61) أي : بغير الحد الذي حده الله وأذن فيه والنكرة ههنا على معنى أن القتل يكون بوجوه من الحق فمعناه يقتلون بغير حق من تلك الحقوق ﴿ويقتلون الذين يأمرون بالقسط﴾ أي : بالعدل ﴿من الناس﴾ عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قلت : يا رسول الله أي : الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال : "رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر" ثم قرأها ثم قال : "يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول نهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار" ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أي : وجيع دائم جعل لهم بدل البشارة وهو الاخبار السار الاخبار بالنار وهو كقول القائل تحية بينهم ضرب وجيع.

جزء : 2 رقم الصفحة : 14

﴿أولئك﴾ المتصفون بتلك الصفات

14

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١١