﴿يستبشرون بنعمة﴾ كائنة ﴿من الله﴾ كرر لبيان أن الاستبشار المذكور ليس بمجرد عدم الخوف والحزن بل به وبما يقارنه من نعمة عظيمة لا يقادر قدرها وهي ثواب أعمالهم ﴿وفضل﴾ أي زيادة عظيمة كما في قوله تعالى : ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس : 26) ﴿وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ كافة سواء كانوا شهداء أو غيرهم وهو بفتح أن عطف على فضل منتظم معه في سلك المستبشر به.
قال الإمام : الآية تدل على أن استبشارهم بسعادة إخوانهم من استبشارهم بسعادة أنفسهم لأن الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الإخوان وهذا تنبيه من الله على أن فرح الإنسان بصلاح حال إخوانه ومتعلقه يجب أن يكون أتم وأكمل من فرحه وصلاح أحوال نفسه.
جزء : 2 رقم الصفحة : 122
واعلم أن ظاهر الآية يدل على أن هؤلاء المقتولين وإن فارقت أرواحهم من أجسادهم إلا أنهم أحياء في الحال.
واختلف القائلون بحياتهم في الحال أنها للروح أو للبدن ولا بد ههنا من تقديم مقدمة ليتضح بها المقام وهي أن الإنسان المخصوص ليس عبارة عن مجموع هذه البنية المخصوصة بل هو شيء مغاير لها وذلك لأن أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال والتبدل والتغير
124
بالسمن وضده والصغر وخلافه والإنسان المخصوص شيء واحد باق من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل فثبت أن الإنسان مغاير لهذا البدن المخصوص ثم بعد هذا يحتمل أن يكون جسما مخصوصا ساريا في هذه الجثة سريان النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد ويحتمل أن يكون جوهرا قائما بنفسه ليس بجسم ولا حال في الجسم وعلى كلا المذهبين لا يبعد أن ينفصل ذلك الشيء حيا عند موت البدن فيثاب ويعذب على حسب أعماله والدلائل العقلية والنقلية الدالة على بقاء النفوس بعد موت الأجساد كثيرة متعاضدة فوجب المصير إليه وبه تزول الشبهات الواردة على القول بثواب القبر كما في هذه الآية وعلى القول بعذاب القبر كما في قوله تعالى : ﴿أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ (نوح : 25) إذا لم تمت النفوس بموت الأبدان أو قلنا بأنه تعالى أماتها ثم أعاد الحياة إليها كما يدل عليه ما روى في بعض الأخبار أنه قال صلى الله عليه وسلم في صفة الشهداء "إن أرواحهم في أجواف طير خضر وإنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مطعمهم ومسكنهم ومشربهم قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال الله تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا" فأنزل الله هذه الآية.
والذين أثبتوا هذه الحياة للأجساد اختلفوا.
فقال بعضهم : إنه تعالى يصعد أجساد هؤلاء الشهداء إلى السموات إلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها.
ومنهم من قال : يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها كذا في "تفسير الإمام" ولابن سينا رسالة في علم النفس ولعمري قد بلغ القصوى في التحقيق فليطلبها من أراد ، وفضائل الشهداء لا نهاية لها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة وله سبع خصال يغفر له في أول قطرة قطرت من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج بثلاث وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقربائه".
جزء : 2 رقم الصفحة : 122
وروي أنه إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى ادعوا إلي خيرتي من خلقي فيقولون : يا رب من هم فيقول الشهداء الذين بذلوا دماءهم وأموالهم وأنفسهم فيمرون على رب العزة وسيوفهم على أعناقهم فيدخلون مساكنهم في الجنة وينصب يوم القيامة لواء الصدق لأبي بكر وكل صديق يكون تحت لوائه ولواء العدل لعمر وكل عادل يكون تحت لوائه ولواء السخاوة لعثمان وكل سخي يكون تحت لوائه ولواء الشهداء لعلي وكل شهيد يكون تحت لوائه وكل فقيه تحت لواء معاذ بن جبل وكل زاهد تحت لواء أبي ذر وكل فقير تحت لواء أبي الدرداء وكل مقرىء تحت لواء أبي بن كعب وكل مؤذن تحت لواء بلال وكل مقتول ظلما تحت لواء الحسين بن علي رضي الله عنهما فذلك قوله تعالى : ﴿يوم ندعوا كل أناسا بإمامهم﴾ (الإسراء : 71) قيل : أرواح الشهداء وإن كانت في عليين إلا أنها تزور قبورها كل جمعة على الدوام ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة قال عليه السلام : "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه".
قال الجنيد قدس سره : من كانت حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة الحقيقة وإذا كان
125