أي الإيمان التحقيقي اليقيني العياني الشهودي وفيه إشارة إلى أن منشأ التقوى هو الخلوص المذكور ولاي نافي ذلك وزيادة الخلوص بالتقوى فكم من شي يكون سببا لأصل شيء آخر ويكون سببا في زيادته وقوته على ذلك الآخر وبكمال التقوى يحصل الخروج من قشر الوجود المجازي والدخول في لب الوجود الحقيقي والاتصاف بالإيمان العياني قال بعضهم : الذين آموا حقا وصدقا ويجوز أن يكون صفة كاشفة لا مقيدة فإنه لا يليق أن يعد غير المؤمنين من أولى الألباب اللهم إلا أن يراد باللب العقل العاري عن الضعف ، بأي وجه كان من البلادة والبله والجنون وغيرها فتخصيص الأمر بالتقوى بالمؤمنين من بينهم لأنهم النمتفعون انتهى والظاهر أن قوله الذين آمنوا مبتدأ خبره قوله تعالى : ﴿قد أنزل الله إليكم﴾ والخطاب من قبيل الالتفات ﴿ذكرا﴾ هو النبي عليه السلام كما بينه بأن ابدل منه قوله ﴿رسولا﴾ وعبر عنه بالذكر لمواظبته على تلاوة القرآن أو تبليغه والتذكير به وعبر عن إرساله بالإنزال بطريق الترشيخ أي للتجوز فيه عليه السلام بالذكرأو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه يعني أن رسول الله شبه بالذكر الذي هو القرآن لشدة ملابسته به فأطلق عليه اسم المشبه به استعارة تصريحية وقرن به ما يلائم المستعار منه وهو الإنزال ترشيحا لها أو مجازا مرسلا من قبيل إطلاق اسم السبب على المسبب فإن إنزال الوحي إليه عليه السلام ، سبب لإرساله وقال بعضهم : إن التقدير قد أنزل الله إليكم ذكرا يعني القرآن وأرسل إليكم رسولا يعني محمدا عليه السلام لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول وقد دل عليه القرينة وهو قوله أنزل نظيره قوله علفتها تبنا وماء باردا أي وسقيتها ماء باردا فيكون الوقف في ذكرا تاما بخلافه ، إذا كان بدلا وقال القاشاني قد أنزل الله إليكم ذكرا أي فرقنا مشتملا على ذكر الذات والصفات والأسماء والأفعال والمعاد رسولا أي روح القدس الذي أنزله به فأبدل منه بدل الاشتمال لأن إنزال الذكر هو إنزاله بالاتصال بالروح النبوي وإلقاء المعاني في القلب ﴿يتلوا﴾ يقرأ ويعرض ﴿عليكم﴾ يا أولي الألباب أو يا أيها المؤمنون ﴿الله مبينات﴾ أي القرآن ﴿مبينات﴾ أي حال كون تلك الآيات مبينات ومظهرات لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام أو مبينات بالفتح بمعنى واضحات لإخفاء في معانيها عند الأهالي أو لا مرية في إعجازها عند البلغاء المنصفين وإنما يتلوها أو أنزله
جزء : 10 رقم الصفحة : 24
﴿ليخرج﴾ الرسول ويخلص أو الله تعالى قال بعضهم : اللام متعلقة بأنزل لا بقوله يتلو لأن يتلو مذكور على سبيل التبعية دون أنزل ﴿رسولا يتلوا عليكم ءايات﴾ الموصول عبارة عن المؤمنين بعد إنزاله وإلا فإخراج
41
الموصوفين بالإيمان من الكفر لا يمكن إذ لا كفر فيهم حتى يخرجوا منه أي ليحصل لهم الرسول ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح بإخراجهم عما كانوا عليه أو ليخرج الله من علم ، أو قدر إنه سيؤمن ولم يقل ليخرجكم إظهارا لشرف الإيمان والعمل الصالح وبيانا لسبب الإخراج وحثا على التحقيق بهما ﴿من الظلمات إلى النور﴾ أي من الضلالة إلى الهدى ومن الباطل إلى الحق ومن الجهل إلى العلم ومن الكفر إلى الإيمان ومن الشهبات إلى الدلالات والبراهين ومن الغفلة إلى اليقظة ومن الإنس بغير الله إلى الإنس بالله على طبقاتهم ودرجاتهم في السعي والاجتهاد بعناية الله تعالى ، وفي التأويلات النجمية : ليخرج الذين آمنوا بالإيمان العلمي وعملوا الصالحات بمقتضى العلم الظاهر لا بمقتضى الحال من ظلمات التقييد بالأعمال والأحوال إلى نور الإطلاق برؤية فاعلية الحق في الأشياء انتهى.
جزء : 10 رقم الصفحة : 24