فهو من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ثم وصفه بصفته أو من المجاز العقلي والإسناد إلى المكان وهذه الآية تحذير للناس عن المخالفة في الأحكام المذكورة وتأكيد لإيجابها عليهم﴿عتت عن أمر ربها ورسله﴾ قال في المفردات : العتو النبو عن الطاعة وفي القاموس عتا عتوا وعتيا وعتيا استكبر وجاوز الحد فهو عات وعتى انتهى.
والعتو لا يتعدى بعن وإنما عدى بها لتضمينه معنى الإعراض كأنه قيل اعرتض عن امرر بها وأمر رسل ربها بسبب التجاوز عن الحد في التكبر والعناد وفي إيراده صفة الرب توبيخ لهم وتجهيل لما إن عصيان العبيد لربهم ومولاهم طغيان وجهل بشأن سيدهم ومالكهم وبمرتبة أنفسهم ودوام احتياجهم إليه في التربية قوله وكأني مبتدأ ومن قرية بيان له وعتت خبر المبدأ ﴿فحاسبناها حسابا شديدا﴾ أي ناقشناها في الحساب وضيقنا وشددنا عليها في الدنيا وأخذناها بدقائق ذنوبها وجر آئمها
39
من غير عفو بنحو القحط والجوع والأمراض والأوجاع والسيف وتسليط الأعداء عليها وغير ذلك من البلايا مقدما معجلا على استئصالها وذوقها العذاب الأكبر لترجع إلى الله تعالى ، لأن البلاء كالسوط للسوق فلم تفعل ولم ترفع رأسا ، فابتلاها الله بما فوق ذلك كما قال : ﴿وعذبنااها عذابا نكرا﴾ أي نكرا عظيما هائلا متنفرا عنه الطبع لشدته وإيلامه أو غير متوقع فإنهم كانوا لا يتوقعونه ولو قيل لهم لما يصدقونه والقهر الغير المتوقع أشد ألما واللطف الغير المتوقع أتم لذة وبالفارسية وعذاب كرديم ايشانرا عذابي نانكه نديده بودند ونشناخته.
وهو العذاب العاجل بالاستئصال بنحو الإغراق والإحراق والريح والصيحة فالنكر الأمر الصعب الذي لا يعرف والإنكار ضد العرفان.
يقول الفقير : أضاف الله المحاسبة والتعذيب إلى نفسه مع أن سببهما كان العتو عن أمره وأمر رسله لأن الرسل كانوا فانين في الله فاتخذوا الله وكيلا في جميع أمورهم وتركوا التصرف والتعرض للقهر ونحوه وذلك إنهم قد بعثوا بعد رسوخهم ولهذا صبروا على تكذيب أممهم لهم ولو بعثوا قبل الرسوخ ربما بطشوا بمن كذبهم ولكوه وقس عليهم أحوال الكمل من الأولياء ﴿فذاقت﴾ س بشيدند اهل آن ديه ﴿وبال أمرها﴾ أي ضرر كفرها وثقل عقوبة معاصيها أي أحسته إحساس الذائق المطعوم ﴿وكان عاقبة أمرها خسرا﴾ هائلا لا خسر وراءه يعني زينكارى وكدام زيان ازان بدتركه ازحيات ومنافع آن محروم شدند وبعقوبات مبتلى كشتند.
جزء : 10 رقم الصفحة : 24
فتجارتهم خسارة لا ربح فيها لتضييعهم بضاعة العمر والصحة والفراغ بصرفها في المخالفات ، قال في المفردات : الخسر والخسران انتقاض رأس المال وينسب إلى الإنسان فيقال خسر فلان وإلى الفعل فيقال خسرت تجارته ويستعمل ذلك في القنيات الخارجية كمالمال والجاه في الدنيا وهو الأكثر وفي النفسية كالصحة والسلامة والعقل والإيمان والثواب وفي الآية إشارة إلى أهل قرية الوجود الإنساني وهو انفس والهوى وسائر القوي فإنها أعرضت عن حكم الروح فلم تدخل في حكم الشريعة وكذا عن متابعة أمر القلب والسر والخفي فعذبت بعذاب الحجاب واستهلكت في بحر الدنيا وشهواتها ولذاتها وكن عاقبة أمرها خسران الضلالة ونيران الجهالة ﴿أعد الله لهم﴾ مع ذلك في الآخرة ولام لهم لام التخصيص لا لام النفع كما في قولهم دعا له في مقابلة دعا عليه ﴿عذابا شديدا﴾ أي قدره في علمه على حسب حكمته أو هيأ أسبابه في جهنم بحيث لا يوصف كنهه فهم أهل الحساب والعذاب في الدنيا والآخرة لا في الدنيا فقط فإن ما أصابهم ، في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم لعدم رجوعهم عن الكفر فعذبوا بعذاب الآخرة أيضا ، وهذا المعنى من قوله فحاسبناها إلى هنا هو اللائق بالنظم الكريم هكذا ألهمت به حين المطالعة ثم وجدت في تفسير الكواشي وكشف الأسرار وأبي الليث والأسئلة المقحمة ما يدل على ذلك والحمد تعالى فلا حاجة إلى أن يقال فيه تقديما وتأخيرا وإن المعنى إنا عذبناها عذابا شديدا في الدنيا ونحاسبها حسابا شديدا في الآخرة على أن لفظ الماضي للتحقيق كأكثر ألفاظ القيامة فإن فيه وفي نحوه تكلفا ، بينا على ما ارتكبه من يعد من إجلاء المفسرين ودل قوله في الأثر حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
40
على أن المحاسبة عامة لما في الدارين وإن المراد بها في بعض المواضع هو التضييق والتشديد مطلقا ﴿فاتقوا الله يا اأولى الالباب﴾ أي اعتبروا بحال الأمم الماضين من المنكرين المعاندين وما نزل بهم من العذاب ، والوبال فاتقوا الله أوامره ونواهيه إن خلصت عقولكم من شوب الوهم فإن اللب هو العقل الخالص من شوائب الوهم وذلك بخلوص القلب من شوائب صفات النفس والرجوع إلى الفطرة الأولى وإذا خلص العقل من الوهم والقلب من النفس كان الإيمان يقينيا فلذلك وصفهم بقوله ﴿الذين ءامنوا﴾
جزء : 10 رقم الصفحة : 24