تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقطع به وانقرض القوم إذا هلكوا وانقطع أثرهم ويل للقرض قرض لأنه قطع شيء من المال هذا أصل الاشتقاق ثم اختلفوا فيه فقيل اسم لكل ما يلتمس الجزاء عليه وقيل أن يعطي أحدا شيئا ليرجع إليه ثم قيل لفظ القرض هنا حقيقة على المعنيين وقيل مجاز على الثاني لأن الراجع ليس مثله بل بدله وإليه يميل ما في الكشاف في سورة البقرة إقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه لعله الوجه فيكون بقرض استعارة تصريحية تبعية وقوله ﴿قرضا حسنا﴾ تصريحية ألية أي مقرونا بالإخلاص وطيب النفس قال سهل رضي الله عنه القرض الحسن المشاهدة بقلوبكم في أعمالكم كما قال إن تعبد الله كأنك تراه وقرضا إن كان بمعنى أقراضا كان نصبه على المصدرية وإن كان بمعنى مقرضا من النفقة كان مفعولا ثانيا لتقرضوا لأن الأقراض يتعدى إلى مفعولين ففي التعبير عن الإنفاق بالإقراض وجعله متعلقا بالله الغنى مطلقا والتعبير عن النفقة بالقرض إشارة إلى حسن قبلو الله ورضاه وإلى عدم الضياع وبشارة باستحقاق المنفق ببركة إنفاقه لتمام الاستحقاق ﴿يضاعفه لكم﴾ من المضاعفة بمعنى التضعيف أي التكثير فليس المفاعلة هنا للاشتراك أي يجعل لكم أجره مضاعفا ويكتب بالواحد عشرة وسبعين وسبعائة وأكثر بمقتى مشيئته على حسب النيات والأوقات والمحال ﴿ويغفر لكم﴾ ببركة الانفاق ما فرط منكم من بعض الذنوب ﴿والله شكور﴾ يعطي الكثير بمقابلة اليسير من الطاعة أو يجازي العبد على الشكر وهو الاعتراف بالنعمة على سبيل الخضوع فسمى جزاء الشكر شكرا أو الله شكور بمعنى إنه كثير الثناء على عبده بذكر أفعاله الحسنة وطاعته فالشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه وهذا المعنى مختار الامام القشيري رحمه الله والشكو مبالغة الشاكر والشاكر من له الشكر سئل بعضهم من أشكر الشاكرين فقال الطاهر من الذنوب يعد نفسه من المذنبيني والمجتهد في النوافل بعد أداء الفرائض يعد نفسه من المقصرين والراضي بالقليل من الدنيا يعد نفسه من الراغبين والقاطعبذكر الله دهره يعد نفسه من الغافلين والراغب في العمل يعد نفسه من المفلسين فهذا أشكر الشاكرين ومن أدب من عرف أنه تعالى شكور أن يجد في شكره ولا يفتر ويواظب على حمده ولا يقصر والشكر على أقسام شكر بالبدل وهو أن لا تستعمل جوارحك في غير طاعته وشكر بالقلب وهو آن لا تشغل قلبك بغير ذكره ومعرفته وشكر باللسان وهو أن لا تستعمله في غير ثنائه ومدحته وشكر بالمال وهو أن لا تنفقه في غير رضاه ومحبته.

جزء : 10 رقم الصفحة : 10

نفس مي نيارم زد از شكر دوست

كه شكرى نه دانم كه درخورد اوست

عاييست هر موي از وبر تنم

كونه بهر موى شكرى كنم

وأحسن وجوه الشكر لنعم الله أن لا تستعملها في معاصيه بل في طاعته وخاصية اسم الشكور التوسعة ووجود العافية في البدن وغيره بحيث لو كتبه من به ضيق في النفس وتعب في ائبدن أعياء أشد الأعياء وثقل في الجسم وتمسح به وشرب منه برىء بإذن الله تعالى وإن تمسح به ضعيف البصر على عينيه وجد بركة ذلك ويكتب إحدى وأربعين مرة ﴿حليم﴾ لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم بالبخل والإمساك ونحوهما فيحلم حتى يظن الجاهل أنه

22

ليس عيلم ويستر حتى يتوهم الغافل إنه ليس يبصر ، قال الامام الغزالي رحمه الله الحليم هو الذي شاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظه ولا يحمله على المسارعة إلى الانقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال الله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة.

(حكى) إن إبراهيم عليه السلام لما رأى ملكوت السموات والأرض رأى عاصيا في معصيته فقال اللهم أهلكه فأهلكه الله ثم رأى آخر فدعا عليه فأهلكه الله ثم رأى آخر فدعا عليه فأهلكه الله ثم رأى رابعا فدعا عليه فأوحى الله إليه أن قف يا إبراهيم فلو أهلكنا كل عاص رأيناه لم يبق أحد من الخلق ولكنا بحملمنا لا نعذبهم بل نمهلهم فأما أن يتوبوا وأما أن يصروا فلا يفوتنا شيء قيل الحلم حجاب الآفات وقيل الحلم ملح الأخلاق.

وشتم الشعبي رجل فقال إن كنت كاذبا غفر الله لك وإن كنت صادقا غفر الله لي وكان الأحنف يضرب به المثل في الحلم وهو يقول إني صبور ولست بحليم والفرق بين الحليم والصبور إن المذنب لاي أمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم يعني إن الصبور يشعر بأنه يعاقب في الآخرة بخلاف الحليم كما في المفاتيح والتخلق بالاسم الحليم إنما هو بأن يصفح عن جنايات الناس ويسامح لهم فيما يعاملونه به من السيئات بل يجازيهم بلإحسان تحقيقا للحلم والغفران وفي الأربعين الإدريسية يا حليم ذا الأناة فلا يعادله شيء من خلقه قال السهر وردى رحمه الله من ذكره كان مقبول القول وافر الحرمة قوي الجاش بحيث لا يقدر عليه سبع ولا غيره والأناة على وزن القناة هو التثبت والوقار ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ خبر بعد خبر أي لا يخفى عليه خافية.

(

سورة الطلاق

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١٠ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١٠ · ص ١٧