تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أنه لما نزل قوله تعالى : ﴿وإن تبدوا ما فيا أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فأتوه عليه السلام ثم بركوا على الركب فقالوا : أي : رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والحج والجهاد وقد أنزل إليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا" قالوا : بل سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقرأها القوم فأنزل الله تعالى ﴿الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ إلى قوله تعالى : ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ فمسؤولهم الغفران المعلق بمشيئته تعالى في قوله تعالى : ﴿فيغفر لمن يشآء﴾ ثم أنزل الله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ تهوينا للخطب عليهم ببيان أن المراد بما في أنفسهم ما عزموا عليه من السوء خاصة لا ما يعم الخواطر التي لا يستطاع الاحتراز عنها والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه أي : سنته أن لا يكلف نفسا من النفوس إلا ما يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها دون مدى الطاقة والمجهود فضلا منه تعالى ورحمة لهذه الأمة كقوله تعالى : ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة : 185) وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه.

أما الأول فلأنه لو كان وقع لزم الكذب في كلامه تعالى تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

وأما الثاني فلأنه تعالى نفى مطلقا ولا يلزم منه نفي مقيد الذي هو الامتناع لأن العام من حيث هو عام لا يدل على الخاص بوجه من الدلالات ﴿لها﴾ أي : للنفس ثواب ﴿ما كسبت﴾ من الخير الذي كلفت فعله لا لغيرها استقلالا أو اشتراكا ضرورة شمول كلمة ما لكل جزء من أجزاء مكسوبها ﴿وعليها﴾ لا على غيرها بأحد الطريقين المذكورين عقاب ﴿ما اكتسبت﴾ من الشر الذي كلفت تركه وإيراد الاكتساب في جانب الشر لأن الشر فيه اعتمال أي : اجتهاد في العمل فإنه لما كان مشتهى النفس كان فيه جد وسعي بخلاف الخير وصيغة الافتعال للتكلف

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

﴿ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا﴾ شروع في حكاية بقية دعواتهم إثر بيان سر التكليف أي : يقولون ربنا لا تؤاخذنا بما صدر عنا من الأمور المؤدية إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة ونحوهما مما يدخل تحت التكليف ودل هذا على جواز المؤاخذة في النسيان والخطأ فإن التحرز عنهما في الجملة ممكن ولولا جواز المؤاخذة في النسيان والخطأ لم يكن للسؤال معنى وخفف الله عن هذه الأمة فرفع عنها المؤاخذة وقال النبي صلى الله عليه وسلم "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فدل أنهم مخصوصون بهما وأمم السالفة كانوا مؤاخذين فيهما ﴿ربنا ولا تحمل علينآ إصرا﴾ عطف على ما قبله وتوسيط النداء بينهما لإبراز مزيد الضراعة.

والإصر العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه أي : يحبسه مكانه والمراد به التكاليف

448

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٦٦