تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشاقة ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ أي : حملا مثل حملك إياه على من قبلنا وهو ما كلفه بنو إسرائيل من قتل النفس في توبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقطع موضع النجاسة وعدم التطهير بغير الماء وخمسين صلاة في يوم وليلة وعدم جواز صلاتهم في غير المسجد وحرمة أكل الصائم بعد النوم ومنع بعض الطيبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ربع مالهم وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح وغير ذلك من التشديدات وقد عصم الله عز وجل ورحم هذه الأمة من أمثال ذلك وأنزل في شأنهم ﴿ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم﴾ (الأعراف : 157) وقال صلى الله عليه وسلم "بعثت بالحنيفة السهلة السمحة" وعن العقوبات التي عوقب بها الأولون من المسخ والخسف وغير ذلك قال صلى الله عليه وسلم "رفع عن أمتي الخسف والمسخ والغرق" ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ عطف على ما قبله واستعفاء من العقوبات التي لا تطاق بعد الاستعفاء مما يؤدي إليها من التكاليف الشاقة التي لا يكاد من كلفها يخلو عن التفريط فيها كأنه قيل : لا تكلفنا تلك التكاليف ولا تعاقبنا بتفريطنا في المحافظة عليها فيكون التعبير عن إنزال العقوبات بالتحميل باعتبار ما يؤدي إليها.

قال في "التيسير" أي : لا تكلفنا ما يشق علينا الدوام عليه ولم يرد به عدم الطاقة أصلا فإنه لا يكون فلا يسأل ﴿واعف عنا﴾ أي : آثار ذنوبنا ﴿واغفر لنا﴾ واستر عيوبنا ولا تفضحنا على رؤوس الأشهاد.

قال في "التيسير" وليس بتكرار.

فإن الأول تركه حتى لا يؤاخذ به ومحوه حتى لا يبقى.

والثاني ستره حتى لا يظهر وقد يتجاوز عن الشيء فلا يؤاخذ بجزائه لكن يذكر ذلك ويظهر والمؤمنون أمروا أن يسألوا التجاوز عنها وإخفاءها حتى لا يظهر حالهم لأحد فلا يفتضحوا به ﴿وارحمنآ﴾ وتعطف بنا وتفضل علينا وتقديم طلب العفو والمغفرة على طلب الرحمة لما أن التخلية سابقة على التحلية ﴿أنت مولانا﴾ سيدنا ونحن عبيدك أو ناصرنا أو متولي أمورنا ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ أي : أعنا عليهم وادفع عنا شرهم فإن من حق المولى أن ينصر عبيده ومن يتولى أمره على الأعداء والنصرة على الكفار تكون بالظفر وتكون بالحجة وتكون بالدفع وهو سؤال العصمة من الشياطين أيضا لأنهم منهم.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روي أنه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال إذ يغشى السدرة ما يغشى قال فراش من ذهب قال فأعطى رسول الله عليه السلام ثلاثا أعطى الصلوات الخمس وأعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته قال صلى الله عليه وسلم في خبر المعراج : "قربني الله وأدناني إلى سند العرش ثم ألهمني الله أن قلت آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله كما فرقت اليهود والنصارى قال : فما قالوا؟ قلت : قالوا سمعنا وعصينا والمؤمنون قالوا سمعنا وأطعنا فقال : صدقت فسل تعط فقلت : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال : قد رفعت عنك وعن أمتك الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فقلت : ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا يعني اليهود قال لك ذلك ولأمتك قلت : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال : قد فعلت قلت : واعف عنا واغفر لنا ورحمنا أنت مولانا

449

فانصرنا على القوم الكافرين قال قد فعلت".

وعنه صلى الله عليه وسلم "أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل".

وعنه صلى الله عليه وسلم "من قرأ آيتين من آخر سورة البقرة كفتاه" أي : عن قيام الليل أو عن حساب يوم القيامة وهو حجة على من استكره أن يقول سورة البقرة وقال ينبغي أن يقال السورة التي تذكر فيها البقرة كما قال صلى الله عليه وسلم "السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن" أي : مصره الجامع "فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة" قيل : وما البطلة قال عليه السلام : "السحرة" أي : لا تستطيع البطلة أن تسحر قارئها "ولا تقرأ في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان" وكان معاذ إذا ختم سورة البقرة يقول آمين.

عن أبي الأسلم الديلمي قلت لمعاذ بن جبل : أخبرني عن قصة الشيطان حين أخذته فقال : جعلني رسول الله عليه السلام على صدقة المسلمين فجعلت التمر في غرفة فوجدت فيه نقصانا فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : هذا الشيطان يأخذه فدخلت الغرفة وأغلقت الباب فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب ثم تصور في صورة أخرى فدخل من شق الباب فشددت إزاري علي فجعل يأكل من التمر فوثبت إليه فقبضته فالتفت يداي عليه فقلت : يا عدو الله فقال : خل عني فإني كبير ذو عيال كثير وأنا فقير من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم فلما بعث أخرجنا منها فخل عني فلن أعود إليك فخليت سبيله وجاء جبريل عليه السلام فأخبر رسول الله عليه السلام بما كان فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداني مناديه وقال : "ما فعل أسيرك" فأخبرته فقال : "أما إنه سيعود فعد" قال : فدخلت الغرفة وأغلقت علي الباب فجاء فدخل من شق الباب فجعل يأكل من التمر فصنعت به كما صنعت في المرة الأولى فقال : خل عني فإني لن أعود إليك فقلت : يا عدو الله ألم تقل إنك لن تعود؟ قال : فإني لن أعود وآية ذلك أنه إذا قرأ أحد منكم خاتمة البقرة لا يدخل أحد منا في بيته تلك الليلة.

450

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٦٧