تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال القاشاني : ﴿الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ أي : صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلقه القرآن ومجرد قراءة القرآن بغير عمل لا يفيد.

قال في "تفسير الحنفي" مثاله : إن السلطان إذا وهب لأحد من مماليكه إمارة وأعطاه رياسة أو نيابة وكتب له توقيعا أن يطيعه أهل البلد كلها فإذا جاء إلى البلد وقعد على المملكة وأطاعه الخلق ثم إن السلطان كتب له كتابا وأمر له فيه أن يبني له قصرا أو دارا واسعة حتى لو حضر السلطان وجاء إلى تلك المدينة ينزل في تلك الدار أو القصر فوصل الكتاب إليه وهو لا يبني ما أمر به في الكتاب لكنه يقرأه كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد ما أمره به حاضرا هل يستحق ذلك الأمير خلعة من السلطان أو ثناء أو لا بل ظاهره أنه يستحق الضرب والشتم والحبس وكذلك القرآن إنما هو مثل هو ذلك المنشور قد أمر الله فيه لعبيده أن يعمروا أركان الدين كما قال لداود عليه السلام : (فرغ إلي بيتا أسكنه) وبين لهم بما يكون عمارة الدين فقال الله تعالى : ﴿وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكواة﴾ (النور : 56) ﴿كتب عليكم الصيام﴾ (البقرة : 183) ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (آل عمران : 97) فصارت قراءة القرآن كقراءة منشور السلطان ولا تحصل الجنة بمجرد القرآن لأنه قال : ﴿جزآءا بما كانوا يعملون﴾ (الواقعة : 24) ، كما قيل :

"مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سورة مكتوب بتجويد"

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

ثم في قوله : ﴿غفرانك ربنا﴾ إشارة إلى أن من نتائج الإيمان وآثار العبودية أن يرى العبد نفسه أهلا لكل شر ومولاه أهلا لكل خير فينسب كل ما يستحسنه لسيده مستعملا حسن الأدب معه في كل أوقاته وذلك بأن يحمده على ما دق وجل ويستغفره من تفسيره في شكره له عليه ويتبرأ من حوله وقوته له في ذلك كله وبحسب هذا يكون شعاره الحمداستغفر الله لا حول ولا قوة إلا بالله في جميع أوقاته وهو الذكر المنجي من عذاب الله في الدنيا والآخرة المقرب للفتح لمن لازمه.

واعلم أنك لا تصل إلى التحقيق إلا بمراقبة الأوقات بأحكامها من التوبة والاستغفار عند العصيان وشهود المنة في الطاعة ووجود الرضى في النية ووجود الشكر في النعمة ولن تصل إلى ذلك إلا بتعلق قلبك بصلاح قلبك واتهام نفسك حتى في خروج نفسك وتصل إلى هذا بأحد أربعة أوجه : نور يقذفه الله في قلبك بلا واسطة ، أو علم متسع في عقل كامل ، أو فكرة سالمة من الشواغل ، أو صحبة شيخ أو أخ هذه حاله.

وقد قال الشيخ أبو مدين قدس سره : الشيخ من هذبك بأخلاقه وأدبك بإطراقه وأنار باطنك بإشراقه ، الشيخ من جمعك في حضوره

447

وحفظك في مغيبه فاعمل أيها العبد على تخليص نفسك من عالم جسمك حتى تخرج عن دائرة رسمك وتصل إلى تحقيق فهمك وعلمك :

از هشتى خويش تاتوغافل مشوى

هركز بمراد خويش واصل نشوي

از بحر ظهور تا بساحل نشوى

در مذهب أهل عشق كامل نشوى

﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ إخبار من الله تعالى وليس من كلام المؤمنين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٦٥