﴿ويعذب من يشآء﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿والله على كل شيء﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الخلف والأمر ﴿قدير﴾ كذا في "تأويلات الكامل نجم الدين دايه" قدس سره ﴿الرسول بمآ﴾ أي : صدق النبي عليه السلام ﴿بمآ أنزل﴾ أي : بكل ما أنزل ﴿إليه من ربه﴾ من آيات القرآن إيمانا تفصيليا متعلقا بجميع ما فيه من الشرائع والأحكام والقصص والمواعظ وأحوال الرسل والكتب وغير ذلك من حيث أنه منزل منه تعالى.
والإيمان بحقيقة أحكامه وصدق أخباره ونحو ذلك من فروع الإيمان به من الحيثية المذكورة ولم يرد به حدوث الإيمان فيه بعد أن لم يكن كذلك لأنه كان مؤمنا بالله وبوحدانيته قبل الرسالة منه ولا يجوز أن يوصف بغير ذلك لكن أراد به الإيمان بالقرآن فإنه قبل إنزال القرآن إليه لم يكن عليه الإيمان به وهو معنى قوله :
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
﴿ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان﴾ (الشورى : 52) أي : ولا الإيمان بالكتاب فإنه قال : ﴿وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب﴾ (القصص : 86) ﴿والمؤمنون﴾ أي : الفريق المعروف بهذا الاسم وهو مبتدأ ﴿كل﴾ مبتدأ ثان ﴿من﴾ خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول والرابط بينهما الضمير الذي ناب منابه التنوين وتوحيد الضمير في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع وتغيير سبك النظم عما قبله لتأكيد الإشعار بما بين إيمانه صلى الله عليه وسلم المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمانهم الناشيء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والاختلاف الجلي كأنهما متخالفان من كل وجه حتى في الهيئة الدالة عليهما أي : كل منهم آمن ﴿بالله﴾ وحده من غير شريك له في الألوهية والمعبودية هذا إيمان إثبات وتوحيد ﴿وملاااكته﴾ أي : من حيث أنهم عباد مكرمون له تعالى من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاء الوحي وهذا إيمان تصديق أنهما من عند الله وتحليل ما أحله وتحريم ما حرمه ﴿وكتبه ورسله﴾ أي : من الحيثية المذكورة ، هذا إيمان اتباع وإطاعة ولم يذكر الإيمان باليوم الآخر لاندراجه في الإيمان بكتبه.
وهذا على تقدير أن يوقف على قوله تعالى من ربه ويجعل والمؤمنون كلاما ابتدائيا واختاره أبو السعود العمادي.
ويجوز أن يكون قوله والمؤمنون معطوفا على الرسول فيوقف عليه والضمير الذي عوض عنه التنوين راجع إلى المعطوفين معا كأنه قيل : آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ثم فصل ذلك.
وقيل : كل واحد من الرسول والمؤمنون آمن بالله خلا أنه قدم المؤمن به على المعطوف اعتناء بشأنه وإيذانا بأصالته صلى الله عليه وسلم في الإيمان به واختار الكواشي هذا الوجه حيث قال والاختيار الوقف على المؤمنون وهو حسن ليكون المؤمنون داخلين فيما دخل النبي صلى الله عليه وسلم فيه أي : الإيمان ﴿لا نفرق﴾ أي : يقول الرسول والمؤمنون لا نميز ﴿بين أحد من رسله﴾ بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما قال اليهود والنصارى.
وأحد ههنا بمعنى الجمع أي : الآحاد فلذلك أضيف إليه بين لأنه لا يضاف إلا إلى المتعدد والأحد وضع لنفي ما يذكر معه من العدد والواحد اسم لمفتتح العدد والواحد الذي لا نظير له والوحيد الذي لا نصير له ﴿وقالوا﴾ عطف على آمن وصيغة الجمع باعتبار المعنى وهو حكاية لامتثالهم الأوامر أثر حكاية إيمانهم ﴿سمعنا﴾ أي :
446
فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته ﴿وأطعنا﴾ ما فيه من الأوامر والنواهي.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
قيل : لما نزلت هذه الآية قال جبرائيل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعط فقال الرسول عليه السلام : ﴿غفرانك ربنا﴾ أي : اغفر لنا غفرانك كما قال ﴿فضرب الرقاب﴾ (محمد : 4) أي : فاضربوا أو نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة أو ما لا يخلو عنه البشر من التقصير في مراعاة حقوقك وهذا الوجه أولى لئلا يتكرر الدعاء بقوله في آخر السورة واغفر لنا وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول ﴿وإليك المصير﴾ أي : الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك.