تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هوى من عز مطلبه

كل أمر في الهوى عجب

وخلاصي منه أعجبه

فلم يوجد في السموات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنة فيهما من أولى العلم وغيره أي : كلها له تعالى خلقا وملكا وتصرفا لا شركة لغيره في شيء منها بوجه من الوجوه فلا تعبدوا أحدا سواه ولا تعصوه فيما يأمركم وينهاكم ﴿وإن تبدوا﴾ أي : تظهروا ﴿ما فيا أنفسكم﴾ أي : في قلوبكم من السوء والعزم عليه وذلك بالقول أو بالفعل ﴿أو تخفوه﴾ أي : تكتموه عن الناس ولا تظهروه بأحد الوجهين ككتمان الشهادة وموالاة المشركين وغيرهما من المناهي ولا يندرج فيه ما لا يخلو عنه البشر من الوساوس وأحاديث النفس التي لا عقد ولا عزيمة فيها إذ التكليف بحسب الوسع ودفع ذلك مما ليس في وسعه ﴿يحاسبكم به الله﴾ أي : يجازيكم به يوم القيامة وهو حجة على منكري الحساب من المعتزلة والروافض ﴿فيغفر﴾ أي : فهو يغفر بفضله ﴿لمن يشآء﴾ أن يغفر له وإن كان ذنبه كبيرا ﴿ويعذب﴾ بعدله

444

﴿من يشآء﴾ أن يعذبه وإن كان ذنبه حقيرا حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ويعذب الكفار لا محالة لأنه لا يغفر الشرك وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه ﴿والله على كل شيء قدير﴾ فكمال قدرته تعالى على جميع الأشياء موجب لقدرته سبحانه على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب.

قال في "التيسير" دل ظاهر قوله أو تخفوه على المؤاخذة بما يكون من القلب وجملته إن عزم الكفر كفر وحضرة الذنوب من غير عزم مغفورة وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور فأما الهم بالسيئة ثم يمتنع عنه بمانع لا باختياره وهو ثابت على ذلك فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله يعني بالعزم على الزنى لا يعاقب عقوبة الزنى وهل يعاقب على الخاطر عقوبة عزم الزنى قيل : هو معفو لقوله صلى الله عليه وسلم "إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يعمل أو يتكلم" وأكثرهم على أن الحديث في الحضرة دون العزمة وأن المؤاخذة في العزمة ثابتة وكذا قال الإمام أبو منصور رحمه الله انتهى ما في "التيسير".

وربما يكون للإنسان شركة في الإثم مثل القتل والزنى وغيرهما إذا رضي به من عامله واشتد حرصه على فعله وفي الحديث "من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن حضرها" وفي حديث آخر "من أحب قوما على أعمالهم حشر في زمرتهم" أي : جماعتهم "وحوسب يوم القيامة بحسابهم وإن لم يعمل بأعمالهم" فعلى العاقل أن يرفع عن قلبه الخواطر الفاسدة ولا يجالس الجماعة الفاسقة كيلا يحشر في زمرتهم :

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

كر نشيند فرشته باديو

وحشت آموزد وخيانت وريو

ازبدان نيكويى نياموزى

نه كند كرك وستين دوزى

والإشارة في الآية أن الله يطالب العباد بالاستدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة لئلا يغفلوا عن حفظ حركات الظاهر وضبط خطرات الباطن فيقعوا في آفة ترك أدب من آداب العبودية فيهلكوا بسطوات الألوهية.

واعلم أن الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق فله روح نوراني من عالم الأمر وهو الملكوت الأعلى وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق ولكل واحدة منهما ميل إلى عالمها فقصد الروح إلى جوار رب العالمين وقربه وقصد النفس إلى أسفل السافلين وغاية البعد عن الحق فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ليزكي النفوس عن ظلمة أوصافها لتستحق بها جوار رب العالمين لتزكيتها في إخفاء ظلمة أوصافها بإبداء أنوار أخلاق الروح عليها في تحليتها بها فهذا مقام الأولياء مع الله يخرجهم من الظلمات إلى النور وبعث الشيطان إلى أوليائه وهم أعداء الله ليخرج أرواحهم من النور الروحاني إلى الظلمات النفسانية بإخفاء أنواع أخلاقها في إبداء ظلمات أخلاق النفس عليها لتستحق بها دركة أسفل السافلين.

فمعنى الآية في التحقيق ﴿وإن تبدوا ما فيا أنفسكم﴾ مودع من ظلمات الأوصاف النفسانية في الظاهر بمخالفات الشريعة وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿أو تخفوه﴾ بتصرفات الطريقة في موافقات الشريعة ومخالفات الطبيعة ﴿يحاسبكم به الله﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح وأخلاقه أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس وأخلاقها ﴿فيغفر لمن يشآء﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق

445

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٦٣