﴿وإن كنتم على سفر﴾ أي : مسافرين أي : متوجهين إليه ومقبلين ﴿ولم تجدوا كاتبا﴾ في المداينة بأن لا يحسن الكتابة أو لا توجد الصحيفة أو الدواة والقلم ولم يتعرض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقا وإعوازا ﴿فرهان﴾ جمع رهن أي : فالتوثق رهن ﴿مقبوضة﴾ أي : مسلمة إلى المرتهن ولا بد من القبض حتى لو رهن ولم يسلم لا يجبر الراهن على التسليم وإنما شرط السفر في الارتهان مع أن الارتهان لا يختص به سفر دون حضر لأن السفر لما كان مظنة عدم الكتب بإعواز الكاتب والشاهد أمر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا وتوثيقا لحفظ المال فالكلام خرج على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في المدينة من يهودي بعشرين صاعا من شعير وأخذه لأهله ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ أي : بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان فلم يطلب منه الرهن ﴿فليؤد الذى اؤتمن﴾ وهو المديون والائتمان الوثوق بأمانة الرجل وإنما عبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للإعلام ولحمله على الأداء ﴿أمانته﴾ أي : فليقض المطلوب الأمين ما في ذمته من الدين من غير رهن منه وسمي الدين أمانة لتعلقه بالذمة كتعلق الأمانة ﴿وليتق الله ربه﴾ في رعاية حقوق الأمانة وأداء الدين من غير مطل ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ أيها الشهود إذا دعيتم إلى الحاكم لأدائها على وجهها ﴿ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه﴾ فاعل آثم كأنه قيل فإنه يأثم قلبه.
فإن قلت : هلا اقتصر على قوله فإنه آثم وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده.
قلت : كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها فلما كان الإثم مقترفا بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ألا تراك تقول : إذا أردت التوحيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي ولأن القلب هو رأس الأعراض والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له من معاظم الذنوب وعن ابن عباس رضي الله عنهما أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى فقد حرم الله عليه
443
الجنة وشهادة الزور وكتمان الشهادة ﴿والله بما تعملون عليم﴾ فيجازيكم به إن خيرا فخير وإن شرا فشر وكتمان الشهادة وشهادة الزور من الأعمال التي تجر صاحبها إلى النار فإنهما من علامات سنخ القلب قال تعالى : ﴿فإنه ءاثم قلبه﴾ والمراد سنخ القلب ونعوذ بالله من ذلك وهما أسهل وقوعا بين الناس والحوامل عليهما كثيرة كالعداوة وغيرها.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
واعلم أن أهل الدين طائفتان الواقفون ، والسائرون.
فالواقف من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى فهو كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون مشربه من عالم المعاملات البدنية فلا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام الكاتبين يكتبان عليه أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير.
والسائر من لم يقم ولم ينزل في منزل فهو مسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان : صنف سيار وصنف طيار.
فالسيار من يسير بقدم الشرع والعقل على جادة الطريقة.
والطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في قضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة فالإشارة في قوله : ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكل فلم يجد له كاتبا يكتب عليه كما قال بعضهم ما كتب على صاحب الشمال منذ عشرين سنة وقال بعضهم كاشف لي صاحب اليمين وقال لي أمل علي شيئا من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله قال فقلت له : حسبك الفرائض فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هاربا منه فيحبس ويقيد ويوكل عليه فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما برح في جريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد فقوله : ﴿ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ إشارة إلى اليسار الذي له قلب فيرهنه عند الله تعالى فالرهان هي القلوب التي ليس فيها غير الله المقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن فأما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب مسلوب العقل مجذوب السير فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد :
مستهام ضاق مذهبه