تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله تعالى من كمال رحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم لئلا يجري من بعضهم على بعض حيف ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة وأمر الكاتب أن يكتب كما علمه الله بالعدل وراعى في ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها ، فيشير بهذه المعاني إلى ثلاثة أحوال :

أحولها : حال الله تعالى مع عباده فيظهر من آثار ألطافه معهم أنه تعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية حتى لا يكونوا في خسران من أمر دنياهم ولا يكون فيما بينهم عداوة وخصومة تؤدي إلى تنغيص عيشهم في الدنيا وعقوبة في الآخرة فيستدلوا بها على أن تكاليف الشرع التي أمروا بها أيضا من كمال مرحمته استعملهم بها ليفيض بها عليهم سجال نعمه كقوله تعالى : ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولاكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾ (المائدة : 6) الآية.

وثانيها حال العباد مع الله ليعلموا برعاية هذه الدقائق للأمور الدنيوية الفانية أن للأمور الأخروية الباقية فيما بينهم وبين الله أيضا دقائق كثيرة والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خيرها مثابون وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون وأنها بالرعاية أولى وأحرى من أمور الدنيا وأن الله تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليهم العدول قد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق فإن الله تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وعلى هذا عاهدهم وأشهد الملائكة الكرام عليه ثم رقم في الكتاب أن ياقوتة من الجنة وديعة وهي الحجر الأسود.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

وثالثها : حال العباد فيما بينهم فليعتبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم وليتخلق بأخلاق الحق في مخالقتهم وليتوسل إلى الله بحسن مرافقتهم وليحفظ حدود الله في مخالفتهم وموافقتهم وليتمسك بعروة محبتهم في الله وجذبتهمونصحهم بالله ليحرز في رفقتهم صراطا مستقيما ويفوز من زمرتهم فوزا عظيما ففي جميع الأحوال كونوا مع الله كما قال : ﴿واتقوا اللها ويعلمكم الله﴾ أي : اتقوا في الأحوال الثلاثة كما يعلمكم الله بالعبارات والإشارات ﴿والله بكل شيء﴾ تعملونه في جميع الأحوال من الأقوال والأفعال

442

﴿عليم﴾ يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملتكم بقدر خلوصكم وصفاء نياتكم وصدق طوياتكم فطوبى لمن صفى قلبه عن سفساف الأخلاق وعزم إلى عالم السر والإطلاق وأحسن المعاملة مع الله في جميع الحالات ووصل إلى الدرجات العاليات :

حقائق سراييست آراسته

هوا وهوس كرد برخاسته

نه بيني كه جايى كه برخاست كرد

نه بيند نظر كره بيناست مرد

يعني أن عالم الغيب كالبيت المزين والهوى كالنقع المثار فما دام لم يترك المرء هواه لا يرى ما يهواه فإن الحجاب إذا توسط بين الرائي والمرئي يمنع من الرؤية فارفع الموانع من البين وتشرف بوصول العين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٦١