أو جهل أو غير ذلك من العوارض ﴿فليملل وليه﴾ أي : الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم أو وكيل أو مترجم ﴿بالعدل﴾ أي : من غير نقص ولا زيادة ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ أي : اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما من المداينة وتسميتهما شهيدين لتنزيل المشارف منزلة الكائن ﴿من رجالكم﴾ متعلق باستشهدوا أي : من أهل دينكم يعني من الأحرار البالغين المسلمين إذ الكلام في معاملاتهم فإن خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة وأما إذا كانت المداينة بين الكفرة أو كان من عليه الحق كافرا فيجوز استشهاد الكافر عندنا ﴿فإن لم يكونا﴾ أي : الشهيدان جميعا على طريقة نفي الشمول لا شمول النفي ﴿رجلين﴾ أما لإعوازهما أو لسبب آخر من الأسباب ﴿فرجل وامرأتان﴾ أي : فليشهد رجل وامرأتان وشهادة النساء مع الرجال في الأموال جائزة بالإجماع دون الحدود والقصاص فلا بد فيهما من الرجال ﴿ممن ترضون﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي : كائنون مرضيين عندكم وتخصيصهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف النساء به ﴿من الشهدآء﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المحذوف الراجع إلى الموصول أي : ممن ترضونهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وثقتكم بهم وإدراج النساء في الشهداء بطريق التغليب ﴿أن تضل إحدااهما﴾ أي : إحدى المرأتين الشاهدتين
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
﴿فتذكر إحدااهما الاخرى﴾ وهذا تعليل لاعتبار العدد في النساء والعلة في الحقيقة هي التذكير ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته كما في قولك أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه فالإعداد للدفع لا لمجيء العدو لكن قدم عليه المجيء لأنه سببه كأنه قيل لأجل أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت الشهادة بأن نسيت ثم حث الشهداء على إقامة الشهادة بقوله : ﴿ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا﴾ لأداء الشهادة أو لتحملها وما مزيدة ﴿ولا يأب﴾ أي : لا تملوا من كثرة مدايناتكم ﴿أن تكتبوه﴾ أي : من أن تكتبوا الدين أو الحق أو الكتاب ﴿صغيرا أو كبيرا﴾ حال من الضمير أي : حال كونه صغيرا أو كبيرا أي : قليلا أو كثيرا أو مجملا أو مفصلا ﴿إلى أجله﴾ متعلق بمحذوف وقع حالا من الهاء في تكتبوه أي : مستقرا في الذمة إلى وقت حلوله الذي أقر به المديون ﴿ذالكم﴾ أي : كتب الحق إلى أجله أيها المؤمنون ﴿أقسط﴾ أي : أعدل ﴿عند الله﴾ أي : في حكمه تعالى ﴿وأقوم للشهادة﴾ أي : أثبت لها وأعون على إقامتها ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾ أي : أقرب إلى انتفاء ريبكم في جنس الدين وقدره وأجله وشهوده ونحو ذلك ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم﴾ استثناء منقطع من الأمر بالكتابة أي : لكن وقت كون تداينكم أو تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تدبرونها بينكم بتعاطيها يدا بيد ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾ أي : فلا بأس بأن لا تكتبوها لبعده عن التنازع والنسيان ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ أي : هذا التبايع أو مطلقا لأنه أحوط.
والأوامر الواردة في الآية الكريمة للندب عند الجمهور ﴿ولا يضآر﴾ يحتمل البناء على الفاعل وعلى المفعول فعلى الأول نهي للكاتب عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منه وعن التحريف والزيادة والنقصان أي : لا يمتنع
441
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
﴿كاتب﴾ عن الكتابة المقصودة ﴿ولا شهيد﴾ أي : ولا يمتنع الشاهد عن إقامة الشهادة المعلومة وعلى الثاني النهي عن الضرار بالكاتب والشاهد أي : لا يوصل أحد مضرة للكاتب والشهيد إذا كانا مشغولين بما يهمهما ويوجد غيرهما فلا يضاران بإبطال شغلهما وقد يكون إضرار الكاتب والشهيد بأن لا يعطى حقهما من الجعل فيكون النهي عن ذلك ﴿وإن تفعلوا﴾ ما نهيتم عنه من الضرار ﴿فإنه﴾ أي : فعلكم ذلك ﴿فسوقا بكم﴾ أي : خروج عن الطاعة ملتبس بكم ﴿واتقوا الله﴾ في مخالفة أوامره ونواهيه التي من جملتها نهيه عن المضارة ﴿ويعلمكم الله﴾ أحكامه المتضمنة لمصالحكم ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك.
ثم هذه الآية أطول آية في القرآن وأبسطها شرحا وأبينها وأبلغها وجوها يعلم بذلك أن مراعاة حقوق الخلق واجبة والاحتياط على الأموال التي بها أمور الدين والدنيا لازم فمن سعى بالحق فقد نجا وإلا فقد غوى :
كسى راكه سعى قدم بيشتر
بدركاه حق منزلش يشتر