وعن الجهل بالعلم وعن المعاصي بالطاعات وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة وههنا ينتهي سير العوام لأن نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا.
فمن ههنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات لنهديهم سبلنا فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فههنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فينتفعون من مواهب إذ يغشى السدرة ما يغشى.
وأما تقوى خواص الخواص فبجذبة رفرف العناية بجذب ما زاغ البصر وما طغى من سدرة منتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجب النفس وبداية أنوار القدس فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه فبالتقوى الحقيقية يجد الإيمان الحقيقي فمعنى ﴿واتقوا﴾ جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم ﴿يوما﴾ يعني ليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية ﴿ترجعون فيه إلى الله﴾ أشار بلفظ الرجوع إليه ليعلم أن الشروع كان منه هدانا الله وإياكم إلى مقام الجمع واليقين وشرفنا بلطائف التحقيق والتمكين إنه نصير ومعين يصيب برحمته من يشاء من عباده الصالحين يا اأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين} أي : إذا داين بعضكم بعضا وعامله نسيئة معطيا أو آخذا كما تقول بايعته إذا بعته أو باعك وفائدة ذكر الدين دفع توهم كون التداين بمعنى المجازاة والتنبيه على تنوعه إلى الحال والمؤجل وأنه الباعث على الكتب وتعيين المرجع للضمير المنصوب المتصل بالأمر وهو فاكتبوه
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
﴿إلى أجل﴾ متعلق بتداينتم ﴿مسمى﴾ بالأيام أو الأشهر أو السنة وغيرها مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بالحصاد والدياس وقدوم الحاج مما لا يرفعها ﴿فاكتبوه﴾ أي : الدين بأجله لأنه أوثق وأدفع للنزاع والجمهور على استحبابه ﴿وليكتب بينكم كاتب﴾ بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين لمن يتولاها إثر الأمر بها إجمالا وقوله بينكم للإيذان بأن الكاتب ينبغي أن يتوسط بين المتداينين ويكتب كلامهما ولا يكتفي بكلام أحدهما ﴿بالعدل﴾ أي : كاتب كائن بالعدل أي : وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالتسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين لا يزيد ولا ينقص وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين يجيء كتابه موثقا به معدلا بالشرع ﴿ولا يأب كاتب﴾ أي : لا يمتنع أحد من الكتاب ﴿أن يكتب﴾ كتاب الدين ﴿كما علمه الله﴾ على طريقة ما علمه الله من كتب الوثائق ﴿فليكتب﴾ تلك الكتابة المعلمة أمر بها بعد النهي عن إبائها تأكيدا لها ﴿وليملل الذى عليه الحق﴾ الإملال هو الإملاء وهو إلقاء المعنى على الكاتب للكتابة أي : ليكن المملل أي مورد المعنى على الكاتب من عليه الحق أي : الدين لأنه المشهود عليه فلا بد أن يكون هو المقر ﴿وليتق الله ربه﴾ جمع بين الاسم الجليل والنعت الجميل للمبالغة في التحذير أي : وليتق المملي دون الكاتب كما قيل لقوله تعالى : ﴿ولا يبخس منه﴾ أي : من الحق الذي يمليه على الكاتب ﴿شيئا﴾ فإنه هو الذي يتوقع منه البخس خاصة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
وأما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس وإنما شدد في تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهى عنه فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه وتخفيف ما في ذمته ﴿فإن كان الذى عليه الحق سفيها﴾ ناقص العقل مبذرا مجازفا ﴿أو ضعيفا﴾ صبيا أو شيخا مختلا ﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ أي : غير مستطيع للإملاء بنفسه لخرس أو عي
440