واعلم أن الاستدانة في أحوال ثلاث في ضعف قوته في سبيل الله وفي تكفين فقير مات عن قلة وفقر وفي نكاح يطلب به العفة عن فتنة العذوبة فيستدين متوكلا على الله فالله تعالى يفتح أبواب أسباب القضاء قال صلى الله عليه وسلم "من أدان دينا وهو ينوي قضاءه وكل به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه" وكان جماعة السلف يستقرضون من غير حاجة لهذا الخبر ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته وعن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام : "الشهادة تكفر كل شيء إلا الدين يا محمد" ثلاثا.
فعلى العاقل أن يقضي ما عليه من الديون ويخاف من وبال سوء نيته يوم يبعثون وهذا حال من أدى الفرض فإنه يهون عليه أن يؤدي القرض.
وأما المرتكب وتارك الفرائض فلا يبالي بالفرائض فكيف بالديون والإقراض ولذا قيل :
وامش مده آنكه بى نما زست
ور خود دهنش زفاقه بازست
كو فرض خدا نمى كذارد
از قرض تو نيز غم ندارد
وأحوال هذا الزمان مختلة كإخوانه فطوبى لمن تمسك بالقناعة في زمانه.
ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك زيادات لا يحتاج إليها في أمر الدين بل تكون شاغلة له عن الترقي
438
في مراتب الدين كما قال عليه السلام : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
﴿واتقوا يوما﴾ نصب ظرفا تقديره واتقوا عذاب الله يوما أو مفعولا به كقوله : ﴿فكيف تتقون إن كفرتم يوما﴾ أي : كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر بالله ﴿ترجعون فيه﴾ على البناء للمفعول من الرجع أي : تصيرون فيه ﴿إلى الله﴾ لمحاسبة أعمالكم ﴿ثم توفى كل نفس﴾ من النفوس أي : تعطي كملا ﴿ما كسبت﴾ أي : جزاء ما عملت من خير أو شر ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي : لا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون على عقابهم وهو حال من كل نفس تفيد أن المعاقبين وإن كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين في ذلك لما أنه من قبل أنفسهم وعن ابن عباس رضي الله عنهما هذه آخر آية نزلت ولقي رسول الله ربه بعدها بسبعة أو تسعة أيام أو أحد وعشرين أو أحد وثمانين يوما أو ثلاث ساعات وقال له جبريل عليه السلام ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة فجعلت بين آية الدين وآية الربا تأكيدا للزجر عن الربا.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين وكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس وكان آخر ما يقول صلى الله عليه وسلم "الصلاة وما ملكت أيمانكم الصلاة فإناوإنا إليه راجعون" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب" وقال عليه السلام : "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة" فقالت له عائشة رضي الله عنها فمن كان له فرط من أمتك قال : "أنا فرط لأمتي لن يصابوا بمثلي" قال تعالى : ﴿ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء : 107) فكانت حياته ومماته رحمة قال صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله بأمة رحمة قبض نبيها قبلها فجعله سلفا وفرطا لها" ورثاه صلى الله عليه وسلم بعض الأنصار فقال :
الصبر يحمد في المواطن كلها
إلا عليك فإنه مذموم
واعلم أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما أنزله في القرآن وجعلها خاتم الوحي والإنزال كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب كما أن النبي عليه السلام خاتم الأنبياء عليهم السلام وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
فاعلم أن خلاصة جميع الكتب المنزلة فائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين.
أحدهما نجاته من الدركات السفلى.
وثانيهما فوزه بالدرجات العليا فنجاته في خروجه عن الدركات السفلى وهي سبعة الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس وفوزه في ترقيه على الدرجات العليا وهي ثمانية المعرفةوالتوحيدوالعلم والطاعات والأخلاق الحميدة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالا قوله تعالى : ﴿واتقوا﴾ هي لفظة شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه دليله قول النبي عليه السلام : "جماع التقوى قول الله ﴿إن الله يأمر بالعدل والاحسان﴾ (النحل : 90)" الآية فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدرجات السفلى والترقي على الدرجات العليا.
فتقوى العوام الخروج عن الكفر بالمعفرة وعن الشرك بالتوحيد
439