تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والواشمة والمستوشمة والمصور قال عليه السلام : "الربا بضع وسبعون بابا أدناها كإتيان الرجل أمه" يعني كالزنى بأمه والعياذ بالله فمن سمع هذا القول العظيم فليبادر بالتوبة إلى باب المولى الكريم ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ومن أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا وكان لأبي حنيفة رحمه الله على رجل ألف درهم سود فرد عليه ألف درهم بيض فقال أبو حنيفة : لا أريد هذا الأبيض بدل دراهمي فأخاف أن يكون هذا البياض ربا فرده وأخذ مثل دراهمه.

قال أبو بكر : لقيت أبا حنيفة على باب رجل وكان يقرع الباب ثم يتنحى ويقوم في الشمس فسألته عنه فقال : إن لي على صاحبه دينا وقد نهي عن قرض جر منفعة فلا أنتفع بظل حائطه.

ويقرب منه ما روي عن أبي يزيد البسطامي قدس سره من أنه اشترى من همذان حب القرطم ففضل منه شيء فلما رجع إلى بسطام رأى فيه نملتين فرجع إلى همذان ووضع النملتين فهذا هو الورع وكمال التقوى ومثل هذا لا يوجد في هذا الزمان وإن وجد فأقل من القليل وأكثر الناس ولو كانوا صوفية لا يفرقون بين الحلال والحرام والشبهات ولذا ترى أمر الدين صار مهملا وعاد غريبا هدانا الله وإياكم إلى سواء الطريق إنه ولي التوفيق ، قال جلال الدين الرومي :

اى زخودت بي وقوف لاف ترا يوف يوف

فضل نبخشد تراجبه ودستار وصوف

يا اأيها الذين ءامنوا اتقوا الله} أي : قوا أنفسكم عقابه ﴿وذروا ما بقى من الربوا﴾ أي : واتركوا تركا كليا ما بقي لكم غير مقبوض من مال الربا على من عاملتموه به ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ على الحقيقة فإن ذلك مستلزم لامتثال ما أمرتم به البتة.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روي أنه كان لثقيف مال على بعض قريش فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت ﴿فإن لم تفعلوا﴾ أي : ما أمرتم به من الاتقاء وترك البقاء إما مع إنكار حرمته وإما مع الاعتراف بها أي : فاعلموا من أذن بالأمر إذا أعلم به ﴿بحرب﴾ أي : بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره

437

كائن ﴿من﴾ عند ﴿الله ورسوله﴾ وحرب الله حرب ناره أي : بعذاب من عنده وحرب رسوله نار حربه أي : القتال والفتنة فلما نزلت قالت ثقيف لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله ﴿وإن تبتم﴾ من الارتباء مع الإيمان بحرمته بعد ما سمعتموه من الوعيد ﴿فلكم رءوس أموالكم﴾ تأخذونها كملا ﴿لا تظلمون﴾ غرماءكم بأخذ الزيادة ﴿ولا تظلمون﴾ أنتم من قبلهم بالمطل وانتقص عن رأس المال هذا هو الحكم إذا تاب ومن لم يتب من المؤمنين وأصر على عمل الربا فإن لم يكن ذا شوكة عزر وحبس إلى أن يتوب وإن كان ذا شوكة حاربه الإمام كما يحارب الباغية كما حارب أبو بكر رضي الله عنه مانع الزكاة وكذا القول لو اجتمعوا على ترك الأذان أو ترك دفن الموتى.

﴿وإن كان ذو عسرة﴾ أي : وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة وهي بالإعدام أو كساد المتاع﴿فنظرة﴾ أي : فالحكم نظرة وهي من الإنظار والإمهال ﴿إلى ميسرة﴾ أي : إلى يسار ﴿وأن تصدقوا﴾ أي : وتصدقكم بإسقاط الدين كله عمن أعسر من الغرماء أو بالتأخير والإنظار ﴿خير لكم﴾ أي : أكثر ثوابا ﴿إن كنتم تعلمون﴾ جوابه محذوف أي : إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتموه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة" وقال صلى الله عليه وسلم "من أنظر معسرا أو وضع له أنجاه الله من كرب يوم القيامة" وفي القرض والإدانة فضائل كثيرة.

روي أن أمامة الباهلي رضي الله عنه رأى في المنام على باب الجنة مكتوبا القرض بثمانية عشر أمثاله والصدقة بعشر أمثالها فقال : ولم هذا؟ فأجيب بأن الصدقة ربما وقعت في يد غني وإن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل من أي : أبواب الجنة شاء وزوج من حور العين كم شاء من عفا عن قاتل وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة قل هو الله أحد عشر مرات ومن أدان دينا لمن يطلب منه" فقال أبو بكر الصديق أو إحداهن يا رسول الله قال : "أو إحداهن".

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٥٧