﴿الذين يأكلون الربوا﴾ أي : يأخذونه وعبر عنه بالأكل لأنه معظم المقصود من المال ولشيوعه في المطعومات والربا فضل في الكيل والوزن خال عن العوض عند أبي حنيفة وأصحابه ويجري في الأشياء الستة الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح وكتب بالواو تنبيها على أصله لأنه من ربا يربو وزيدت الألف تشبيها بواو الجمع ﴿لا يقومون﴾ أي : من قبورهم إذا بعثوا ﴿إلا كما يقوم﴾ أي : إلا قياما مثل قيام ﴿الذى يتخبطه﴾ أي : يضربه ويصرعه ﴿الشيطان من المس﴾ أي : الجنون متعلق بلا يقومون يعني لا يقومون من المس الذي بهم إلا كقيام المصروع المختل أي : فاسد العقل ويكون ذلك سيماهم يعرفون به عند أهل الموقف وقيل : الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله تعالى في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض ﴿ذالك﴾ أي : العذاب النازل بهم ﴿بأنهم قالوا﴾ أي : بسبب قولهم ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ فنظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله وقالوا : يجوز بيع درهم بدرهمين كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين وحق الكلام أن يقال : إنما الربا مثل البيع إلا أنه على المبالغة أي : اعتقدوه حلا حتى ظنوا أنه أصل أو قالوا : إنما البيع مثل الربا فلم لا يحل فإن الزيادة في أوله كما هي في آخره.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
روي أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه فطالبه به يقول الغريم لصاحب الأجل زدني شيئا في الأجل حتى أزيدك في المال فيفعلان ذلك ويقولان سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير فكذبهم الله وقال : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ أي : كيف يتماثلان والبيع محلل بتحليل الله والربا محرم بتحريم الله تعالى ﴿فمن جآءه موعظة﴾ أي : فمن بلغه وعظ وزجر كالنهي عن الربا ﴿من ربه فانتهى﴾ أي : فاتعظ بلا تراخ وتبع النهي ﴿فله ما سلف﴾ أي : مضى من ذنبه فلا يؤاخذ به لأنه أخذ قبل نزول التحريم وجعل ملكا له ولا يسترد منه ﴿وأمره إلى الله﴾ يجازيه على انتهائه إن كان عن قبول الموعظة وصدق النية.
وقيل : يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به ﴿ومن عاد﴾ إلى الربا مستحلا بعد النهي كما استحل قبله فأولئك إشارة إلى من باعتبار المعنى ﴿أصحاب النار﴾ أي : ملازموها ﴿هم فيها خالدون﴾ ماكثون أبدا.
﴿يمحق الله الربوا﴾ المحق نقضان الشيء حالا بعد حال حتى يذهب كله كما في محاق الشهر وهو حال آخذ الربا فإن الله يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه ولا ينتفع به ولده بعده ﴿ويربى الصدقات﴾ يضاعف ثوابها ويبارك فيها ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة.
روي عنه صلى الله عليه وسلم "إن الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربى أحدكم مهره" وعنه أيضا "ما نقصت زكاة من مال قط" ﴿والله لا يحب﴾ أي : لا يرضى لأن الحب مختص بالتوابين ﴿كل كفار﴾ مصر على تحليل المحرمات ﴿أثيم﴾ منهمك في ارتكابها.
﴿إن الذين ءامنوا﴾ بالله ورسوله صلى
436
الله عليه وسلم وبما جاءهم به ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي : الطاعات ﴿وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكواة﴾ تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لإنافتهما على سائر الأعمال الصالحة ﴿لهم أجرهم﴾ الموعود لهم حال كونه ﴿عند ربهم ولا خوف عليهم﴾ من مكروه آت ﴿ولا هم يحزنون﴾ من محبوب فات.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
واعلم أن آكل الربا لحرصه على الدنيا مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فكلما يقوم يصرعه ثقل بطنه فكذا حال أهل الربا يوم القيامة ، ونعم ما قيل :
تواب بحلق فرو بردن استخوان درشت
ولي شكم بدرد ون بكير دندار ناف
فالعاقل لا يأكل ما لا يتحمله في الدنيا والآخرة فطوبى لمن يقتصد في أخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها فهو ينجو من وبالها وهو مثل التاجر الذي يكسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ولا يمنع ذا الحق حقه ما أضر به كما أضر بآكل الربا.