تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن ابن عباس رضي الله عنهما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال : "أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقي الله من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائي" ﴿يحسبهم الجاهل﴾ أي : يظنهم الجاهل بحالهم وشأنهم ﴿أغنيآء من التعفف﴾ أي : من أجل تعففهم عن المسألة وهو ترك الطلب ومنع النفس عن المراد بالتكلف استحياء ﴿تعرفهم﴾ أي : تعرف فقرهم واضطرارهم ﴿بسيماهم﴾ أي : بما تعاين منهم من الضعف ورثا رثة الحال.

والسيما والسيمياء العلامة التي تعرف بها الشيء ﴿لا يستطيعون ضربا فى﴾ مفعول له ففيه نفي السؤال والإلحاف جميعا أي : لا يسألون الناس أصلا فيكون إلحافا والإلحاف الإلزام والإلحاح وهو أن يلازم السائل المسؤول حتى يعطيه ويجوز السؤال عند الحاجة والإثم مرفوع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءه أعطوه أو منعوه" وعن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذي السائل الملحف" ﴿وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾ فيجازيكم بذلك أحسن جزاء فهو ترغيب في الصدق لا سيما على هؤلاء ثم زاد التحري عليه بقوله :

﴿الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية﴾ أي : يعمون الأوقات والأحوال بالخير والصدقة فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال وقيل : نزلت في شأن الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار عشرة آلاف منها بالليل وعشرة بالنهار وعشرة سرا وعشرة علانية ﴿فلهم أجرهم﴾ أي : ثوابهم حاضر ﴿عند ربهم ولا خوف عليهم﴾ من مكروه آت ﴿ولا هم يحزنون﴾ من محبوب فات.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

واعلم أن الاتفاق على سادة اختاروا الفقر على الغنى محبةواقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حرفة فإنه صلى الله عليه وسلم يقول : "لي حرفتان الفقر والجهاد" وهم أحق بها وأولى والعبد إذا أنفق من كل معاملة فيها خير من المال أو الجاه أو خدمة النفس أو إعزاز أو إكرام أو إعظام أو إرادة بالقلب حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقا وإجلالا لا استخفافا وإذلالا فإن الله به عليم فإن تقرب إليه في الإنفاق بشبر يتقرب هو إليه في المجازاة بذراع وإن تقرب بذراع يتقرب إليه بباع فلا نهاية لفصله ولا غاية لكرمه فطوبى لمن ترك الدنيا بطيب القلب واختار الله على كل شيء ومن كانكان الله له.

روي أن حسن ستة أشياء في ستة : العلم ، والعدل ، والسخاوة ، والتوبة ، والصبر ، والحياء.

العلم في العمل.

والعدل في السلطان.

والسخاوة في الأغنياء.

والتوبة في الشباب.

والصبر في الفقر.

والحياء في النساء.

العلم بلا عمل كبيت بلا سقف والسلطان بلا عدل كبئر بلا ماء.

والغنى بلا سخاوة كسحاب بلا مطر.

والشباب بلا توبة كشجر بلا ثمر.

والفقر بلا صبر كقنديل بلا ضياء.

والنساء بلا حياء كطعام بلا ملح.

فعلى الغني أن يمطر من سحاب غني بركات الدين والدنيا وتسبب لإحياء قلوب ماتت بالفقر والاحتياج فإن الله لا يضيع أجر المحسنين :

بسند يده رأيى كه بخشيد وخورد

جهان ازى خويشتن كرد كرد

435

يعني إن الذي له رأي صائب هو الذي تنعم بماله وأنعم وجمع الدنيا لأجله لا لغيره فإن من جمع مالا ولم يأكل منه ولم يعط فهو جامع لغيره في الحقيقة إذ هو لوارثه بعده.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٥٥