تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة فهو إن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها صار في ذلك سببا لاقتداء الخلق به فالإظهار أفضل.

قال محمد بن علي الحكيم الترمذي أن الإنسان إذا أتى بعمله وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فههنا الشيطان يردد عليه رؤية الخلق والقلب ينكر ذلك ويدفعه فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فضوعف العمل في السر سبعين ضعفا على العلانية ثم إن تقرب العبد إلى الله إنما يكون بفرض أوجبه الله عليه أو بنفل أوجبه العبد على نفسه.

فعلى كلا التقديرين الله عليم بهما فيجازي العبد بهما كما قال في حديث رباني "لن يتقرب إلي المتقربون بمثل ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش"

433

ولكن الشأن إخلاص العملمن غير شوبه بعلة دنيوية أو أخروية فإنها شرك والشرك ظلم عظيم فلا بد من الاجتناب :

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

ورويى بخدمت نهى بر زمين

خدارا ثنا كوى وخودرا مبين

فإخفاء الصدقة إشارة في الحقيقة الى تخليصها من شوب الحظوظ النفسانية لتكون خالصةفصاحبها يكون في ظل الله وإن كانت صدقته للجنة فيكون في ظل الجنة وإن كانت صدقته للهوى فيكون في ظل هاوية فافهم جدا :

رطب ناورد وب خر زهره بار

ه تخم افكني بر همان شم دار

﴿ليس عليك هدااهم﴾ أي : لا يجب عليك يا محمد أن تجعلهم مهديين إلى الإتيان بما أمروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من القبائح المعدودة وإنما الواجب عليك الإرشاد إلى الخير والحث عليه والنهي عن الشر والردع عنه بما أوحي إليك من الآيات والذكر الحكيم والخطاب خاص والمراد عام يتناول كل أهل الإسلام ﴿ولاكن الله يهدى﴾ هداية خاصة موصلة إلى المطلوب حتما ﴿من يشآء﴾ هدايته إلى ذلك ممن يتذكر بما ذكر ويتبع ويختار الخير فهدى التوفيق على الله وهدى البيان على النبي صلى الله عليه وسلم وقيل لما كثر فقراء المسلمين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت أي : ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل دخولهم في الإسلام وفيه إيماء إلى أن الكفر لا يمنع صدقة التطوع واختلف في الواجب فجوزه أبو حنيفة وأباه غيره ﴿وما تنفقوا من خير﴾ أي : أي شيء تتصدقوا كائن من مال ﴿فلانفسكم﴾ أي : فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث أو فنفعه الديني لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدين من فقراء المشركين.

وعن بعض العلماء لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك ﴿وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله﴾ استثناء من أعم العلل أو أعم الأحوال أي : ليست نفقتكم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء وجه الله أوليست في حال من الأحوال إلا حال ابتغاء وجه الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله ﴿وما تنفقوا﴾ أي : أي شيء تنفقوا ﴿من خير﴾ في أهل الذمة وغيرهم ﴿يوف إليكم﴾ أي : يوفر لكم أجره وثوابه أضعافا مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه على أحسن الوجوه وأجملها ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ أي : لا تنقصون شيئا مما وعدتم من الثواب المضاعف.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

﴿للفقرآء﴾ أي : اجعلوا ما تنفقونه للفقراء ﴿الذين أحصروا فى سبيل الله﴾ أي : حبسوا نفوسهم في طاعته من العزو والجهاد ﴿لا يستطيعون﴾ لاشتغالهم به ﴿ضربا فى الأرض﴾ أي : ذهابا فيها وسيرا في البلاد للكسب والتجارة وقيل : هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى

434

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٥٤