تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاب الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" قال : "وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" فالمؤمن يتخلق بأخلاق الله ويجود على الفقراء ويدفع ما وسوس إليه الشيطان من خوف الفقر فإن الله بيده مفاتيح الأرزاق وهو المعطي على الإطلاق ﴿وما﴾ كلمة شرط وهي للعموم ﴿أنفقتم من نفقة﴾ أي : أي نفقة كانت في حق أو باطل في سر أو علانية قليلة أو كثيرة ﴿أو نذرتم﴾ النذر عقد الضمير على شيء والتزامه وهو في الشرع التزام بر له نظير في الشرع ولهذا لو نذر سجدة مفردة لا يصح إلا أن تكون للتلاوة عند أبي حنيفة وأصحابه ﴿من نذر﴾ أي : نذر كان في طاعة أو معصية بشرط أو بغير شرط متعلق بالمال أو بالأفعال كالصلاة والصيام ونحوهما ﴿فإن الله يعلمه﴾ الضمير عائد إلى ما أي : فإنه تعالى يجازيكم عليه البتة إن خيرا فخير وإن شرا فشر فهو ترغيب وترهيب ووعد ووعيد ﴿وما للظالمين﴾ بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع الصدقات وعدم الوفاء بالنذور أو بإنفاق الخبيث أو بالرياء والمن والأذى وغير ذلك مما ينتظمه معنى الظلم الذي هو عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه الذي يحق أن يوضع فيه ﴿من أنصار﴾ أي : أعوان ينصرونهم من بأس الله وعقابه لا شفاعة ولا مدافعة وإيراد صيغة الجمع لمقابلة الظالمين أي : وما لظالم من الظالمين من نصير من الأنصار.

﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى﴾ أي : إن تظهروا الصدقات فنعم شيء إبداؤها بعد أن لم يكن رياء وسمعة وهذا في الصدقات المفروضة وأما في صدقة التطوع فالإخفاء أفضل وهي التي أريد بقوله : ﴿وإن تخفوها﴾ أي : تعطوها خفية ﴿وتؤتوها الفقرآء﴾ ولعل التصريح بإيتائها الفقراء

432

مع أنه واجب في الإبداء أيضا لما أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فإن الغني ربما يدعي الفقر ويقدم على قبول الصدقة سرا ولا يفعل ذلك عند الناس ﴿فهو خير لكم﴾ أي : فالإخفاء خير لكم من الإبداء وكل متقبل إذا صلحت النية وهذا في التطوع ومن لم يعرف بالمال وأما في الواجب فبالعكس ليقتدى به كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في البيت ولنفي التهمة وسوء الظن حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل خوف الظلمة عن ابن عباس رضي الله عنهما صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا الله ﴿ويكفر عنكم من سيااتكم﴾ من تبعيضية أي : شيئا من سيئاتكم لأنه يمحو بعض الذنوب بالتصدق في السر والعلانية أو زائدة على رأي الأخفش فالمعنى يمحو عنكم جميع ذنوبكم ﴿والله بما تعملون﴾ من الأسرار والإعلان ﴿خبير﴾ فهو ترغيب في الإسرار.

ذكر الإمام في أن الإسرار والإخفاء في صدقة التطوع أفضل وجوها :

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

الأول : أنها أبعد من الرياء والسمعة قال صلى الله عليه وسلم "لا يقبل من مسمع ولا مرائي ولا منان" والمتحدث في صدقة لا شك أنه يطلب السمعة والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء فالإخفاء والسكوت هو المخلص منهما.

وقد بالغ قوم في صدقة الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم أحد فكان بعضهم يلقيها في يد أعمى وبعضهم يلقيها في طريق الفقير في موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي وبعضهم كان يشدها في ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره.

ثانيها : أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له من الناس شهرة وتمدح وتعظيم فكان ذلك أشق على النفس فوجب أن يكون أكثر ثوابا.

وثالثها : قوله صلى الله عليه وسلم "أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر" وقال أيضا : "إن العبد يعمل عملا إن في السر فيكتبه الله تعالى سرا فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية فإن تحدث نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وفي الحديث : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عدل وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال : إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" وقال صلى الله عليه وسلم "صدقة السر تطفىء غضب الرب".

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٥٣