تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ الوعد هو الإخبار بما سيكون من جهة المخبر مترتبا على شيء من زمان أو غيره يستعمل في الشر استعماله في الخير قال الله تعالى : ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾ (الحج : 72) والمعنى أن الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل : أمسك مالك فإنك إذا تصدقت به افتقرت ﴿ويأمركم بالفحشآء﴾ أي : بالخصلة الفحشاء أي : يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر المأمور على فعل المأمور به والعرب تسمي البخيل فاحشا ﴿والله يعدكم﴾ أي : في الإنفاق ﴿مغفرة﴾ لذنوبكم أي : مغفرة كائنة ﴿منه﴾ عز وجل ﴿وفضلا﴾ كائنا منه تعالى أي : خلفا مما أنفقتم زائدا عليه في الدنيا وثوابا في العقبى وفيه تكذيب للشيطان ﴿والله واسع﴾ قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلاف ما تنفقونه ﴿عليم﴾ مبالغ في العلم فيعلم إنفاقكم فلا يكاد يضيع أجركم.

﴿يؤتى الحكمة﴾ أي : مواعظ القرآن ومعنى إيتائها تبيينها والتوفيق للعلم والعمل بها أي : يبينها ويوفق للعمل بها ﴿من يشآء﴾ من عباده أي : يؤتيها إياه بموجب سعة فضله وإحاطة علمه كما آتاكم ما بينه في ضمن الآي من الحكم البالغة التي عليها يدور فلك منافعكم فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها.

والموصول مفعول أول ليؤتي قدم عليه الثاني للعناية به ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ أي : يعط العلم والعمل ﴿فقد أوتى خيرا كثيرا﴾ أي : أي خير كثير فإنه قد حيز له خير الدارين ﴿وما يذكر﴾ أي : وما يتعظ بما أوتي من الحكمة ﴿إلا أولوا الالباب﴾ أي : العقول الخالصة من شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى.

فالمراد منهم الحكماء العلام العمال ولا يتناول كل مكلف وإن كان ذا عقل لأن من لا يغلب عقله على هواه فلا ينتفع به فكأنه لا عقل له قيل : من أعطى علم القرآن ينبغي أن لا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم لأن ما أعطيه خير كثير والدنيا متاع قليل ولقوله عليه السلام : "القرآن غني لا غنى بعده".

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

والإشارة أن الشيطان فقير يعد بالفقر ظاهرا فهو يأمر بالفحشاء حقيقة.

والفحشاء اسم جامع لكل سوء لأن عدته بالفقر تتضمن معاني الفحشاء وهي البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق للخلق بالرزق والخلف للمنفق ومضاعفة الحسنات وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه وتكذيب قول الحق ونسيان فضله وكرمه وكفران النعمة والإعراض عن الحق والإقبال على الخلق وانقطاع الرجاء من الله تعالى وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وإيثار الحظوظ الدنيوية وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبزر كل بلية فمن فتح على نفسه باب وسوسته

431

فسوف يبتلى بهذه الآفات ومن سد هذا الباب فإن الله يكرمه بأنواع الكرامات ورفعة الدرجات والله واسع عليم يؤتي من اجتنب عن وساوسه الحكمة وهي من مواهبه ترد على قلوب الأنبياء والأولياء عند تجلي صفات الجلال والجمال وفناء أوصاف الخلقية بشواهد صفات الخالقية فيكاشف الأسرار بحقائق معان أورثتها تلك الأنوار سرا بسر وإضمارا بإضمار.

فحقيقة الحكمة نور من أنوار صفات الحق يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده فهذه ليست مما تدرك بالعقول والبراهين العقلية والنقلية وأما المعقولات فهي مشتركة بين أهل الدين وأهل الكفر فالمعقول ما يحكم العقل عليه ببرهان عقلي وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وعالم بالقراءة فمن صفى عقله عن شوب الوهم والخيال فيدلك عقله المعقول بالبرهان دراية عقلية ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم أستاذ مرشد فأما الحكمة فليست من هذا القبيل وما يذكر إلا أولو الألباب وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الإنسانية بل سعوا في طلب لبها بمتابعة الأنبياء عليهم السلام فأخرجوهم من ظلمات قشور العقول الإنسانية إلى نور لب المواهب الربانية فتحقق لهم أن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور فانتبه أيها المغرور المفتون بدار الغرور فلا يغرنك بالله الغرور قال من قال :

نكر تاقضا از كجاسير كرد

كه كورى بودتكيه بر غير كرد

فغان ازبديها كه در نفس ماست

كه ترسم شود ظن إبليس راست

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٥٢