يا اأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} أي : من حلال ما كسبتم أو جياده لقوله تعالى : ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران : 92) وفسر صاحب "الكشاف" الطيبات بالجياد حيث قال من طيبات ما كسبتم من جياد مكسوباتكم.
ذكر بعض الأفاضل أنه إنما فسر الطيب بالجيد دون الحلال لأن الحل استفيد من الأمر فإن الإنفاق من الحرام لا يؤمر به ولأن قوله تعالى بعده ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ والخبيث هو الرديء المستخبث يدل على أن المعنى أنفقوا مما يستطاب من أكسابكم ﴿وممآ﴾ أي : ومن
429
طيبات ما ﴿أخرجنا لكم من الأرض﴾ من الحبوب والثمار والمعادن ﴿ولا تيمموا﴾ أي : لا تقصدوا ﴿الخبيث﴾ أي : الرديء الخسيس.
والخبيث نقيض الطيب ولهما جميعا ثلاثة معان : الطيب الحلال والخبيث الحرام والطيب الطاهر والخبيث النجس والطيب ما يستطيبه الطبع والخبث ما يستخبثه ﴿منه تنفقون﴾ الجار متعلق بتنفقون والضمير للخبيث والتقديم للتخصيص والجملة حال من فاعل تيمموا أي : لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه والتخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطونه من إنفاق الخبيث خاصة لا تسويغ إنفاقه مع الطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه ﴿ولستم بااخذيه﴾ حال من واو تنفقون أي : تنفقون والحال أنكم لا تأخذون الخبيث في معاملاتكم في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه ﴿إلا أن تغمضوا فيه﴾ أي : إلا وقت إغماضكم فيه أو إلا بإغماضكم يعني لو كان لكم على رجل حق فجاء برديء ماله بدل حقكم الطيب لا تأخذونه إلا في حال الإغماض والتساهل مخافة فوت حقكم أو لاحتياجكم إليه من قولك أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره ويقال للبائع أغمض أي : لا تستقص كأنك لا تبصر ﴿واعلموا أن الله غني﴾ عن إنفاقكم وإنما يأمركم به لمنفعتكم.
وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من إعطاء الخبيث وإيذان بأن ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى فإن إعطاء مثله إنما يكون عادة عند اعتقاد المعطي إلى الآخذ محتاج إلى ما يعطيه بل مضطر إليه ﴿حميد﴾ مستحق للحمد على نعمه العظام.
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
واعلم أن المتصدق كالزارع إذا كان له اعتقاد بحصول الثمرة يبالغ في الزراعة وجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة في جودة الثمرة وكثرتها فكذلك المتصدق إذا ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد في الصدقة وجودتها لتحققه أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما والعبد كما أعطى الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما عنده كما قال تعالى : ﴿هل جزآء الاحسان إلا الاحسان﴾ (الرحمن : 60) ودلت الآية على جواز الكسب وأن أحسن وجوه التعيش هو التجارة والزراعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أطيب ما أكله الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" وكذلك أطيب الصدقات ما كانت من عمل اليد :
بقنطار زر بخش كردن زكنج
نباشد وقيراط از دست رنج
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يكسب عبد مالا حراما فيتصدق منه فيقبل منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إلى الله تعالى لا يمحو السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث" ووجوه الإنفاق والصدقة كثيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة".
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أصحابه على الصدقة فجعل الناس يتصدقون وكان أبو أمامة الباهلي جالسا بين يدي النبي عليه السلام وهو يحرك شفتيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك تحرك شفتيك فماذا تقول" قال : إني أرى الناس يتصدقون وليس معي شيء أتصدق به فأقول في نفسي سبحان الله والحمدولا إله إلا الله والله أكبر فقال صلى الله عليه وسلم "هؤلاء الكلمات
430
خير لك من مد ذهبا تتصدق به على المساكين".
فعلى العاقل أن يواظب على الأذكار في الليل والنهار ويتصدق على الفقراء والمساكين بخلوص النية واليقين في كل حين :
كرامت جوا نمردى ونان دهيست
مقالات بيهوده طبل تهيست
وجلس الإسكندر يوما مجلسا عاما فلم يسأل فيه حاجة فقال : والله ما أعد هذا اليوم من ملكي قيل : ولم أيها الملك؟ قال : لأنه لا توجد لذة الملك إلا بإسعاف الراغبين وإغاثة الملهوفين ومكافأة المحسنين.
قال السري السقطي قدس سره في وصف الصوفية أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم العرضى ومن تخليهم عن الأملاك ومفارقتهم إياها سموا فقراء فالصوفي ما لم يبذل ماله وروحه في طلب الله فهو صاحب دنيا والدنيا مانعة عن الوصول فعليك بالإيثار وكمال الافتقار.