تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أيود أحدكم﴾ الهمزة لإنكار الوقوع كما في قوله أأضرب أبي لا لإنكار الواقع كما في قوله أتضرب أباك أي : ما كان ينبغي أن يود رجل منكم ﴿أن تكون له جنة﴾ كائنة ﴿من نخيل وأعناب﴾ والجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة وهو الأنسب بقوله تعالى : ﴿تجرى من تحتها الانهار﴾ إذ على كونها بمعنى الأرض المشتملة على الأشجار الملتفة لا بد من تقدير مضاف أي : من تحت أشجارها ﴿له فيها من كل الثمرات﴾ الظرف الأول خبر والثاني حال والثالث مبتدأ أي : صفة للمبتدأ قائمة مقامه أي : له رزق من كل الثمرات كما في قوله تعالى : ﴿وما منآ إلا له مقام معلوم﴾ (الصافات : 164) أي : وما منا أحد إلا له إلخ وليس المراد بالثمرات العموم بل إنما هو التكثير كما في قوله تعالى : ﴿ولهم فيها من كل الثمرات﴾ (محمد : 15) قلت : النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها نفعا خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما ثم أردفهما ذكر كل الثمرات الحال أنه قد ﴿وأصابه الكبر﴾ أي : كبر السن الذي هو مظنة شدة الحاجة إلى منافعها ومئنة كمال العجز عن تدارك أسباب المعاش ﴿وله ذرية ضعفآء﴾ أي : أصابه الكبر والحال أن له ذرية صغارا لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادي المعاش ﴿فأصابهآ﴾ أي : تلك الجنة ﴿إعصار﴾ أي : ريح عاصفة تستدير في الأرض ثم تنعكس منها ساطعة إلى السماء على هيئة العمود ﴿فيه نار﴾ شديدة ﴿فاحترقت﴾ فصارت نعمها إلى الذهاب وأصلها إلى الخراب فبقي الرجل متحيرا لا يجد ما يعود به عليها ولا قوة له أن يغرس مثلها ولا خير في ذريته من الإعانة لكونهم ضعفاء عاجزين عن أن يعينوه وهذا كما ترى تمثيل الحال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها ووجدها محبطة بحال من هذا شأنه وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جنات الجبروت ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا ، قال الحافظ :

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

زاهد ايمن مشو از بازىء غيرت زنهار

كه ره از صومعه تا دير مغان اين همه نيست

﴿كذالك﴾ أي : مثل ذلك البيان الواضح الذي بين فيما مر من الجهاد والإنفاق في سبيل الله وقصة إبراهيم وعزير وغير ذلك لكم أيها الفريق ﴿يبين الله لكم الايات﴾ أي : الدلالات الواضحة في تحقيق التوحيد وتصديق الدين ﴿لعلكم تتفكرون﴾ أي : تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العبر وتعملوا بموجبها.

قال القشيري : هذه آيات ذكرها الله على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق والمنفق في سبيل الله والمنفق في الباطل هؤلاء يحصل لهم الخلف والشرف وهؤلاء يحصل لهم السرف والتلف وهؤلاء ضل سعيهم وهؤلاء شكر سعيهم وهؤلاء تزكو أعمالهم وهؤلاء حبطت أعمالهم وخسرت أموالهم وختمت بالسوء أحوالهم وتضاعف عليهم وبالهم وثقل ومثل هؤلاء كالذي أنبت زرعا زكا أصله ونما فضله وعلا فرعه وكثر نفعه ومثل هؤلاء كالذي خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاقت على كبر سنه غلته

427

وتواترت من كل وجه محنته هل يستويان مثلا وهل يتقاربان شبها انتهى.

فلا بد من إخلاص الأعمال فإن الثمرات تبتنى على الأصل.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال حين بعث إلى اليمن يا رسول الله أوصني قال : "اخلص دينك يكفك العمل القليل" ، وعلاج الرياء على ضربين : أحدهما قطع عروقه واستئصال أصوله وذلك بإزالة أسبابه وتحصيل ضده وأصل أسبابه حب الدنيا واللذة العاجلة وترجيحها على الآخرة.

والثاني دفع ما يخطر من الرياء في الحال ودفع ما يعرض منه في أثناء العبادة فعليك في أول كل عبادة أن تفتش قلبك وتخرج منه خواطر الرياء وتقره على الإخلاص وتعزم عليه إلى أن تتم لكن الشيطان لا يتركك بل يعارضك بخطرات الرياء وهي ثلاث : مرتبة العلم باطلاع الخلق أو رجاؤه ثم الرغبة في حمدهم وحصول المنزلة عندهم ثم قبول النفس له والركون إليه وعقد الضمير على تحقيقه فعليك رد كل منها ، قال السعدي قدس سره :

قيامت كسى بيني اندر بهشت

كه معنى طلب كرد ودعوى بهشت

كنهكار اندشناك از خداي

بسى بهتر از عابد خود نماى

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٤٩