جزء : 1 رقم الصفحة : 417
﴿ياأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى﴾ فإن من فعل ذلك لا أجر له في صدقته وعليه وزر منه على الفقير ووزر إيذائه وقد سبق معنى المن والأذى والمراد بإبطال الصدقة إحباط أجرها لأن الصدقة لما وقعت وتقدمت لم يمكن أن يراد بإبطالها نفسها بل المراد إحباط أجرها وثوابها لأن الأجر لم يحصل بعد فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى ﴿كالذى﴾ المراد المنافق لأن الكافر معلن كفره غير مراء والكاف في محل النصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي : لا تبطلوها إبطالا كإبطال المنافق الذي ﴿ينفق ماله رئآء الناس﴾ أي : لأجل رئائهم يعني ليقال أنه كريم ﴿ولا يؤمن بالله واليوم الاخر﴾ لا يريد بإنفاقه رضى الله ولا ثواب الآخرة.
ورئاء من راأى نحو قاتل قتالا ومعنى المفاعلة ههنا مبني على أن المرائي في الإنفاق يراعي أن تراه الناس فيحمدوه ﴿فمثله﴾ أي : حالته العجيبة ﴿كمثل صفوان﴾ أي : حجر صاف أملس وهو واحد وجمع فمن جعله جمعا فواحده صفوانة ومن جعله واحدا فجمعه صفى ﴿عليه تراب﴾ أي : يسير منه ﴿فأصابه وابل﴾ أي : مطر شديد الوقع كبير القطر ﴿فتركه صلدا﴾ أملس ليس عليه شيء من الغبار ﴿لا يقدرون﴾ كأنه قيل فماذا يكون حالهم حينئذ فقيل : لا يقدرون ﴿على شىء مما كسبوا﴾ أي : لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثوابا قطعا كقوله تعالى : ﴿فجعلناه هبآء منثورا﴾ (الفرقان : 23) يقال : فلان لا يقدر على درهم أي : لا يجده ولا يملكه ، فإن قلت : كيف قال لا يقدرون بعد قوله كالذي ينفق؟ قلت : أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ينفق ولأن من والذي يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق فجمع الضمير باعتبار المعنى ولما ذكر تعالى بطلان أمر الصدقة بالمن والأذى ذكر لكيفية إبطال أجرها بهما مثلين فمثله أولا بمن ينفق ماله رئاء الناس وهو مع ذلك كافر بالله واليوم الآخر فإن بطلان أجر ما أنفقه هذا الكافر أظهر من بطلان أجر من يتبعها بالمن والأذى ثم مثله ثانيا بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار ثم أصابه المطر فأزال ذلك الغبار عنه حتى صار كأنه ما كان عليه تراب وغبار أصلا فالكافر كالصفوان والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان فكذا المن والأذى يجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله وذلك صريح في القول بالإحباط والتكفير كما ذهب إليه المعتزلة القائلون بأن الأعمال الصالحة توجب الثواب وأن الكبائر تحبط ذلك الثواب وأما أصحابنا القائلون بأن الثواب تفضل محض فإنهم قالوا : ليس المراد بقوله لا تبطلوا النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد النهي عن أن يأتي بهذا العمل باطلا ، وبيانه أن المن والأذى يخرجانه من أن يترتب عليه الأجر الموعود لأن العمل إنما يؤدي إلى الأجر الموعود إذا أتى به العامل تعبدا وطاعة وابتغاء لما عند الله تعالى من الأجر والرضوان وعملا بقوله تعالى :
جزء : 1 رقم الصفحة : 417
﴿وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا﴾ (المزمل : 20) وبقوله تعالى : ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (التوبة : 111) فمن كان حامله على العمل ابتغاء ما عند الله مما وعده للمخلصين فقد جرى على سنن المبادلة التي وقعت
422
بين العمل والثواب الذي وعده الله تعالى لمن أخلص عملهتعالى فلما كانت معاملته في الحقيقة مع الله تعالى لم يبق وجه لأن يمن على الفقير الذي تصدق عليه ولا لأن يؤذيه بأن يقول له مثلا خذه بارك الله لك فيه ومن من عليه أو آذاه فقد أعرض عن جهة المبادلة مع الله ومال إلى جهة التبرع على الفقير من غير ابتغاء وجه الله وأتى بعمله من الابتداء على نعت البطلان فيكون محروما من البدل الذي وعده الله لمن أقرض الله قرضا حسنا إذ لم يقع عمله على وجه الإقراض ﴿والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ إلى الخير والرشاد ، وفيه تعريض بأن كلا من الرئاء والمن والأذى من خصائص الكفار ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها.
روي عن بعض العلماء أنه قال مثل من يعمل الطاعة للرئاء والسمعة كمثل رجل خرج إلى السوق وملأ كيسه حصى فيقول الناس ما أملأ كيس هذا الرجل ولا منفعة له سوى مقالة الناس فلو أراد أن يشتري به شيئا لا يعطى به شيئا ، وقد بالغ السلف في إخفاء صدقتهم عن أعين الناس حتى طلب بعضهم فقيرا أعمى لئلا يعلم أحد من المتصدق ، وبعضهم ربط في ثوب الفقير نائما ، وبعضهم ألقى في طريق الفقير ليأخذها وبذلك يتخلص من الرئاء ، وفي "المثنوي" :