تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قيل : إن إبراهيم عليه السلام كان له خمسة آلاف قطيع من الغنم وعليها كلاب المواشي بأطواق الذهب فتمثل له ملك في صورة البشر وهو ينظر أغنامه في البيداء فقال الملك (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) فقال إبراهيم عليه السلام كرر ذكر ربي ولك نصف ما ترى من أموالي فكرر الملك فنادى ثانيا كرر تسبيح ربي ولك جميع ما ترى من مالي فتعجب الملائكة فقالوا جدير أن يتخذك الله خليلا ويجعل لك في الملل والنحل ذكرا جميلا ، وفي "المثنوي" :

قرض ده زين دولت اندر اقرضوا

تاكه صد دولت به بيني يش رو

اندكى زين شرب كم كن بهر خويش

تاكه حوض كوثرى يابى به يش

وفي "نوابغ الكلم".

"صنوان من منح سائله ومن

ومن منع نائله وضن واعلم أن الناس على ثلاث طبقات :

الأولى : الأقوياء وهم الذين أنفقوا جميع ما ملكوا وهؤلاء صدقوا فيما عاهدوا الله عليه من الحب كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

والثانية : المتوسطون وهم الذين لم يقدروا على إخلاء اليد عن المال دفعة ولكن أمسكوه لا للتنعم بل للإنفاق عند ظهور محتاج إليه وقنعوا في حق أنفسهم بما يقويهم على العبادة.

والثالثة : الضعفاء وهم المقتصرون على أداء الزكاة الواجبة اللهم اجعلنا من المتجردين عن عيرك والقانعين بك عما سواك.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

﴿قول معروف﴾ رد جميل وهو أن يرد السائل بطريق جميل حسن تقبله القلوب والطباع ولا تنكره ﴿ومغفرة﴾ أي : ستر لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره

420

مما يثقل على المسؤول وصفح عنه ﴿خير من صدقة يتبعهآ أذى﴾ لأن من جمع بين نفع الفقير وإضراره حرم الثواب فإن قالوا : أي : خير في الصدقة التي فيها أذى حتى يقال هذا خير منه قلنا يعني عندكم كذلك وهو كقوله تعالى : ﴿قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة﴾ (الجمعة : 11) أي : عندكم ذلك خير لكم اعلموا أن هذا خير لكم في الدنيا والآخرة مما تعدونه أنتم خيرا ﴿والله غنى﴾ عما عندكم من الصدقة لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤونة المن والأذى ويرزقهم من جهة أخرى ﴿حليم﴾ لا يعاجل أصحاب المن والأذى بالعقوبة لا أنهم لا يستحقونها بسببهما.

وفيه من السخط والوعيد لهم ما لا يخفى.

قال في "مجالس حضرة الهدائي" قدس سره وإنما كان الرد الجميل خيرا من صدقة المان والمؤذي لأن القول الحسن وإن كان بالرد يفرح قلب السائل ويروح روحه ونفع الصدقة لجسده وسراية السرور لقلبه بالتبعية من تصور النفع فإذا قارن ما ينفع الجسد بما يؤذي الروح يكدر النفع حينئذ ولا ريب أن ما يروح الروح خير مما ينفع الجسد لأن الروحانية أوقع في النفوس وأشرف.

قال الشعبي من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته.

وبالغ السلف في الصدقة والتحرز فيها عن الرياء فإنه غالب على النفس وهو مهلك ينقلب في القلب إذا وضع الإنسان في قبره في صورة حية أي : يؤلم إيلام الحية والبخل ينقلب في صورة عقرب والمقصود في كل إنفاق الخلاص من رذيلة البخل فإذا امتزج به الرياء كان كأنه جعل العقرب غذاء الحية فتخلص من العقرب ولكن زاد في قوة الحية إذ كل صفة من الصفات المهلكة في القلب إنما غذاؤها وقوتها في إجابتها إلى مقتضاها.

ثم إن الصدقة لا تنحصر في المال بل تجري في كل معروف فالكلمة الطيبة والشفاعة الحسنة والإعانة في حاجة واحد وعيادة مريض وتشييع جنازة وتطييب قلب مسلم كل ذلك صدقة :

كر خير كنى مراد بابى

در هر دوجهان كشاد يابى

إحسان كن وبهر توشه خويش

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

زادى بفرست توازين يش

واعلم أن الدنيا وملكها لا اعتداد لها.

حكي عن بعض الملوك أنه حبست الريح في بطنه حتى قرب إلى الهلاك فقال كل من يزيل عني هذا البلاء أعطيته ملكي فسمعه شخص من أهل الله فجاء ومسح يده على بطنه فخرجت منه ريح منتنة وتعافى الملك من ساعته فقال : يا سيدي اجلس على سرير المملكة أنا عزلت نفسي فقال الرجل لا حاجة إلى متاع قيمته ضرطة منتنة ولكن أنت اتعظ من هذا فالشيء الذي اغتررت به قيمته هذا.

وعن الحسن قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على أصحابه فقال : "هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا.

ألا إنه من رغب في الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد في الدنيا وقصر أمله أعطاه الله تعالى علما بغير تعلم وهدى بغير هداية.

ألا إنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالفخر والبخل ولا المحبة إلا باتباع الهوى.

ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى أعطاه الله تعالى ثواب خمسين صديقا" ، وفي "المثنوي" :

421

كوزه شم حريصان رنشد

تا صدف قانع نشد ردر نشد

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٤٤