تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن الأعمال بالنيات ، فإن قلت ما معنى قوله عليه السلام : "نية المؤمن خير من عمله" ، قلت : مورد الحديث أن عثمان رضي الله تعالى عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وعد بثواب عظيم على حفر بئر فنوى أن يحفرها فسبق إليه كافر فحفرها فقال عليه السلام : "نية المؤمن خير من عمله" أي : عمل الكافر.

والجواب الثاني أن النية المجردة من المؤمن خير من عمله المجرد عن النية لأنه إذا فعل الخير بغير نية يكون عمله مع النية خيرا من ذلك لكن قال بعضهم ليس في بعض الأعمال أجر بغير نية كالصلاة لا تجوز بغير نية ولا يحتاج بعض الأعمال إلى النية كقراءة القرآن والأذكار.

ثم اعلم أن الإنفاق على مراتب : إنفاق العامة بالمال فأجرهم الجنة.

وإنفاق الخواص إصلاح الحال بتزكية النفس وتصفية القلب فأجرهم يوم القيامة النظر إلى وجه الله تعالى فينبغي للمؤمن أن يزكي نفسه ويصفي قلبه من حب المال بالإنفاق في سبيل الله الملك المتعال حتى ينال الشرف في الجنان ويحترز عن البخل حتى لا يكون عند الله تعالى من الخاسرين ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ أي : يضعونها في مواضعها ﴿ثم﴾ لإظهار علو رتبة المعطوف ﴿لا يتبعون مآ أنفقوا﴾ العائد محذوف أي : ما أنفقوه ﴿منآ﴾ وهو أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه أوجب بذلك عليه حقا أي : لا يمنون عليهم بما تصدقوا بأن يقول المتصدق المان اصطنعتك كذا خيرا وأحسنت إليك كثيرا ﴿ولا أذى﴾ وهو أن يتطاول عليه بسبب إنعامه عليه أي : لا يؤذيه بأن يقول المتصدق المؤذي بأن قد أعطيتك فما شكرت أو إلى كم تأتيني وتؤذيني أو كم تسأل ألا تستحيي أو أنت أبدا تجيئني بالإبرام فرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾ ثوابهم في الآخرة وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للإيذان بأن ترتب الأجر على ما ذكر من الإنفاق وترك المن والأذى أمر بين لا يحتاج إلى التصريح بالسببية ﴿ولا خوف عليهم﴾ مما يستقبلهم من العذاب ﴿ولا هم يحزنون﴾ على ما خلفوا من أمور الدنيا.

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

روي أن الحسن بن علي رضي الله عنهما اشتهى طعاما فباع قميص فاطمة بستة دراهم فسأله سائل فأعطاها ثم لقي رجلا يبيع ناقة فاشتراها بأجل وباعها من آخر فأراد أن يدفع الثمن إلى بائعها فلم يجده فحكي القضية إلى النبي عليه السلام فقال : أما السائل فرضوان وأما البائع فميكائيل وأما المشتري فجبرائيل فنزل قوله تعالى : ﴿الذين ينفقون أموالهم﴾ الآية ، قال بعض أهل التفسير نزلت هذه الآية والتي قبلها في عثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما.

أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول : "يا رب رضيت عنه فارض عنه" وأما عبد الرحمن بن عوف فتصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فقال : عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها ربي فقال عليه السلام : "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت" فهذه حال عثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما حيث تصدقا ولم يخطر

419

ببالهما شيء من المن والأذى.

قال بعضهم المن يشبه بالنفاق والأذى يشبه بالرياء.

ثم قال بعضهم إذا فعل ذلك فلا أجر له وعليه وزر فيما من وآذى على الفقير.

قال وهب فلا أجر له ولا وزر له.

وقال بعضهم له أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن.

واعلم أن الله تعالى نهى عباده أن يمنوا على أحد بالمعروف مع أنه تعالى قد من على عباده كما قال ﴿بل الله يمن عليكم﴾ وذلك لأن الله تعالى تام الملك والقدرة وملكه وقدرته ليس بغيره والعبد وإن كان فيه خصال الخير فتلك خصاله من الله ولم يكن ذلك بقوة العبد فالعبد ناقص والناقص لا يجوز له أن يمن على أحد أو يمدح نفسه والمن ينقص قدر النعمة ويكدرها لأن الفقير الآخذ منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطي فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام زاد ذلك في انكسار قلبه فيكون في حكم المضر به بعد أن نفعه وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه ، قال الحسين الكاشفي قدس سره :

آنه كه بدهى ود هنده خداست

منت بيهوده نهادن خطاست

هره دهى مى ده ومنت منه

وآنه شيمان شوى آن هم مده

وقال السعدي قدس سره :

وانعام كردى مشوخود رست

كه من سرورم ديكران زير دست

وبيني دعا كوى دولت هزار

جزء : 1 رقم الصفحة : 417

خداوندرا شكر نعمت كذار

كه شم ازتودارند مردم بسى

نه توشم دارى بدست كسى

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٤٣