تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وإذ قال إبراهام﴾ أي : اذكر وقت قوله وذكر الوقت يوجب ذكر ما وقع في ذلك الوقت من الحوادث بالطريق البرهاني ﴿رب﴾ كلمة استعطاف قدمت بين الدعاء مبالغة في استدعاء الإجابة ﴿وإذ قال إبراهام رب﴾ أي : بصرني كيفية إحيائك للموتى بأن تحييها وأنا أنظر إليها إنما سأل ذلك ليصير علمه عيانا وقد شرفه الله بعين اليقين بل بحق اليقين الذي هو أعلى المقامات.

والفرق أن علم اليقين هو المستفاد من الأخبار.

وعين اليقين هو المعاينة لا مرية فيه قال تعالى في حق الكفار ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ (التكاثر : 7) فلما دخلوا النار وباشروا عذابها قال تعالى : ﴿فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هاذا لهو حق اليقين﴾ (الواقعة : 93 94 95) ﴿قال﴾ ربه ﴿أولم تؤمن﴾ أي : ألم تعلم يقينا ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء بإعادة التركيب والحياة قاله

415

عز وعلا مع علمه بأنه أعرف الناس بالإيمان ليظهر إيمانه لكل سامع بقوله : بلى فيعلم السامعون غرضه من هذا القول وهو الوصول إلى العيان ﴿قال﴾ إبراهيم ﴿بلى﴾ علمت وآمنت بذلك ﴿ولاكن﴾ سألت ما سألت ﴿ليطماان قلبى﴾ أي : ليسكن ويحصل طمأنينته بالمعاينة فإن عين اليقين يوجب الطمأنينة لاعلمه.

فإن قلت : ما معنى قول علي رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، قلت : ما ازددت يقينا بالإيمان بها وكان إذ رأى الآخرة أبصر بها من الفضائل والهيئات ما لم يحط به قبل ذلك وكذلك إبراهيم لما رأى كيفية الإحياء وقف على ما لم يقف عليه قبل ﴿قال﴾ ربه إن أردت ذلك ﴿فخذ أربعة من الطير﴾ طاووسا وديكا وغرابا وحمامة ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان ﴿فصرهن﴾ من صاره يصوره وبكسر الصاد من صاره يصيره والمعنى واحد أي : أملهن واضممهن واجمعهن ﴿إليك﴾ لتتأملها وتعرف أشكالها مفصلة حتى تعلم بعد الإحياء أن جزءا من أجزائها لم ينتقل من موضعه الأول أصلا.

جزء : 1 رقم الصفحة : 415

روي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ولحومها ويمسك رؤوسها ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال وذلك قوله تعالى : ﴿ثم اجعل على كل جبل﴾ من الجبال التي بحضرتك وكانت سبعة أو أربعة فجزأها أربعة أجزاء فقال : تعالى ضع على كل جبل ﴿منهن﴾ أي : من كل الطيور ﴿جزءا ثم ادعهن﴾ قل لهن تعالين بإذن الله تعالى ﴿يأتينك سعيا﴾ أي : ساعيات مسرعات طيرانا أو مشيا ففعل كما أمره فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة إلى ما كانت عليه من الهيئة وجعل إبراهيم ينظر ويتعجب ﴿واعلم أن الله عزيز﴾ غالب على أمره لا يعجزه شيء عما يريده ﴿حكيم﴾ ذو حكمة بالغة في أفاعيله فليس بناء أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن إيجادها بطريق آخر خارق للعادات بل لكونه متضمنا للحكم والمصالح.

قال القشيري طلب إبراهيم عليه السلام بهذه حياة قلبه فأشير إليه بذبح الطيور ، وفي الطيور الأربعة أربعة معان هي : في النفس ، في الطاووس زينة ، وفي الغراب بخل وفي الديك شهوة ، والبط حرص فأشار إلى أنه ما لم يذبح نفسه بالمجاهدة لم يحي قلبه بالمشاهدة ، وفي "المثنوي" :

حرص بط يكتاست اين ينجاه تاست

حرص شهوت مار ومنصب ازدهاستسحرص بط ازشهوت حلقست وفرج

در رياست بيست ند انست درج

صد خورنده كنجد اندر كرد خوان

دو رياست درنكنجد درجهان

كاغ كاغ ونعره زاغ سياه

دائما باشد بدنيا عمر خواههمو ابليس از خداي اك فرد

تا قيامت عمرتن درخواست كرد

عمرو مرك اين هردو باحق خوش بود

بي خدا آب حيات آتش بود

عمر خوش در قرب جان روردنست

همر زاغ ازبهر سركين خوردنست

قال في "التأويلات النجمية" : الطيور الأربعة هي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها وهي التراب والماء والنار والهواء فتولدت من ازدواج

416

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٤٠