تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أنه سمع صوتا من السماء أيتها العظام البالية المتفرقة إن الله يأمرك أن ينضم بعضك إلى بعض كما كان وتكتسى لحما وجلدا فالتصق كل عظم بآخر على الوجه الذي كان عليه أولا وارتبط بعضها ببعض الأعصاب والعروق ثم انبسط اللحم عليه ثم انبسط الجلد عليه ثم خرجت الشعور من الجلد ثم نفخ فيه الروح فإذا هو قائم ينهق ﴿فلما تبين له﴾ أي : ظهر له إحياء الميت عيانا ﴿قال أعلم أن الله على كل شيء﴾ من الأشياء التي من جملتها ما شاهده في نفسه وفي غيره من تعاجيب الآثار ﴿قدير﴾ لا يستعصي عليه أمر من الأمور.

جزء : 1 رقم الصفحة : 412

روي أنه ركب حماره وأتى محلته وأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر المنازل فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أدركت زمن عزير فقال لها عزير : يا هذه هذا منزل عزير قالت : نعم وأين ذكرى عزير وقد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاء شديدا قال : فإني عزير قالت سبحان الله أنى يكون ذلك قال : قد أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت : إن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة فادع الله لي برد بصري حتى أراك فدعا ربه ومسح بين عينيها فصحتا فأخذ بيدها فقال : قومي بإذن الله فقامت صحيحة كأنها نشطت من عقال فنظرت إليه فقالت : اشهد أنك عزير فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم وكان في المجلس ابن العزير قد بلغ مائة وثماني عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت : انظروا فإني بدعائه رجعت إلى هذه الحالة فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ابنه : كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه مثل الهلال فكشف فإذا هو كذلك وقد كان قتل بخت نصر بيت المقدس من قراء التوراة أربعين ألف رجل ولم يكن يومئذ بينهم نسخة من التوراة ولا أحد يعرف التوراة فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير أن يخرم منها حرفا أي : ينقص ويقطع فقال رجل من أولاد المسبيين ممن ورد بيت المقدس بعد مهلك بخت نصر حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم فذهبوا إلى كرم جده ففتشوه فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عليه السلام عن ظهر القلب فما اختلفا في حرف

414

واحد فعند ذلك قالوا : عزير ابن الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وفي القصة تنبيه على أن الداعي إذا راعى آداب الدعاء أجيب سريعا من غير مشقة تلحقه وإذا ترك الأدب لحقته المشقة وأبطأت الإجابة فإن إبراهيم عليه السلام لما قال : ﴿رب أرنى كيف تحى الموتى﴾ (البقرة : 260) وبدأ بالثناء ثم سأل إحياء الموتى أراه الله ذلك في غيره فإنه أراه في طيره وعجل له ذلك على فوره وعزير قال : ﴿أو كالذى مر على قرية وهى﴾ فأرى ذلك في نفسه بعد مائة عام مضت على موته ، قال السعدي :

نبايد سخن مفت ناساخته

نشايد بريدن نينداخته

جزء : 1 رقم الصفحة : 412

والإشارة في تحقيق الآية أن قوما أنكروا حشر الأجساد مع أنهم اعتقدوا وأقروا بحشر الأرواح وقالوا : الأرواح كان تعلقها بالأجساد لاستكمالها في عالم المحسوس كالصبي يبعث إلى المكتب ليتعلم الأدب فلما حصل مقصوده من التعليم بقدر استعداده وخرج من المكتب ودخل محفل أهل الفضل وصاحبه سنين كثيرة واستفاد منهم أنواع العلوم التي لم توجد في المكتب إلا أنه استفاد العلوم من الفضلاء بقوة أدبه الذي تعلمه في المكتب وصار فاضلا في العلوم فما حاجته بعد أن كبر شأنه وعظم قدره إلى أن يرجع إلى المكتب وحالة صباه فكذا الأرواح لما خرجت من سجن الأشباح واتصلت بالأرواح المقدسة بقوة علوم الجزئيات التي حصلتها من عالم الحس واستفادت من الأرواح العلوية علم الكليات التي لم توجد في عالم الحس فما حاجتها إلى أن ترجع إلى سجن الأجساد فكانت نفوسهم تسول لهم هذه التسويلات والشيطان يوسوسهم بمثل هذه الشبهات فالله سبحانه من كمال فضله ورحمته على عباده المخلصين أمات عزيرا مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعا ليستدل به العقلاء على أن الله مهما يحيي عزير الروح يحيي معه حمار جسده فلا يشك العاقل بتسويل النفس ووسوسة الشيطان وشبهات الفلسفي في حشر الأجساد فكما أن عزير الروح يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر يكون حمار جسده في الجنة فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفحات الجمال والجلال عن ساقي وسقاهم ربهم شربا طهورا ولحمار الجسد مشرب من أنهار الجنات وحياض رياض ولكم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقد علم كل أناس مشربهم :

شربنا وأهرقنا على الأرض جرعة

وللأرض من كأس الكرام نصيب كذا في "التأويلات النجمية".

جزء : 1 رقم الصفحة : 412

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٣٩