مردود ككفرهم لأنه لم يتعلق بالله أصلا بل كان كله مقصورا على الطاغوت ولذا لم يتجاوزوا من عالم المجاز أصلا ولم يصلوا إلى قرب عالم الحقيقة جدا فضلا عن وصولهم إلى عالم الحقيقة قطعا وأما الفريق الأول فلما تعلق إيمانهم بالله على وجه الرسم والبيان لا بالطاغوت الجلي جدا ولم يتعلق إيمانهم به على وجه الشهود ولم يتعلق إيمانهم به على الإخلاص حين تعلق به على وجه الرسم والبيان لتعلقه أيضا بالطاغوت الخفي وتعلق كفرهم بالطاغوت الجلي فقط لا بالطاغوت الخفي كان إيمانهم وكفرهم مجازيين أيضا لكن إيمانهم لم يكن ككفرهم مردودا بل كان مقبولا من وجه لعدم تعلقه بالطاغوت الجلي أصلا فإن غلب تعلقه بالله على تعلقه بالطاغوت الخفي عند خاتمته فيدخل في الفلاح ثم في الآخرة إن تداركه الفضل الإلهي فبها ونعمت فيغفر وإلا فيدخل الجحيم ويعذب بكفره الخفي ثم يخرج لعدم كفره بالله جليا ويدخل النعيم لإيمانه بالله جليا وكفره بالطاغوت وهم أيضا لم يصلوا إلى عالم الحقيقة بل إنما وصلوا إلى قربه ولذا جاوزوا الجحيم ودخلوا النعيم في قرب عالم الحقيقة ولذا كانوا بالنسبة إلى نفس الحقيقة موطنين في عالم المجاز والفرقة لا في عالم الحقيقة والوصلة وأما الفريق الثاني فهم مخلدون في النار أبدا لإيمانهم بالطاغوت مطلقا وكفرهم بالله كذلك ثم سعادة الفريق الثالث على ما هو المنصوص في القرآن قطعية الثبوت في آخر النفس وشقاوة الفريق الثاني وسعادة الفريق الأول ليست قطعية الثبوت بل محتملة الثبوت في آخر النفس بالنظر إلى الأفراد لجواز التبدل والتغير في عاقبة الأمر الدنيوية بالنظر إلى أفرادهم هذا ما التقطته من الكتاب المسمى "باللائحات البرقيات" لشيخي العلامة أبقاه الله بالسلامة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 406
﴿الله ولي الذين ءامنوا﴾ أي : محبهم ومعينهم أو متولى أمورهم لا يكلهم إلى غيره.
فالولي قد يكون باعتبار المحبة والنصرة فيقال للمحب ولي لأنه يقرب من حبيبه بالنصرة والمعونة لا يفارقه وقد يكون باعتبار التدبير والأمر والنهي فيقال لأصحاب الولاية ولي لأنهم يقربون القوم بأن يدبروا أمورهم ويراعوا مصالحهم ومهماتهم والمعنى الله ولي الذين أراد إيمانهم وثبت في علمه أنهم يؤمنون في الجملة مآلا أو حالا وإنما أخرج عن ظاهره لأن إخراج المؤمن بالفعل من الظلمات تحصيل الحاصل ﴿يخرجهم من الظلمات﴾ التي هي أعم من ظلمات الكفر والمعاصي وظلمات الشبه والشكوك بل مما في بعض مراتب العلوم الاستدلالية من نوع ضعف وخفاء بالقياس إلى مراتبها القوية الجلية بل مما في جميع مراتبها بالنظر إلى مرتبة العيان ﴿إلى النور﴾ الذي يعم نور الإيمان ونور الإيقان بمراتبه ونور العيان أي : يخرج بهدايته وتوفيقه كل واحد منهم من الظلمة التي وقع فيها إلى ما يقابلها من النور.
وجمع الظلمات لأن فنون الضلالة متعددة والكفر ملل وأفرد النور لأن الإسلام دين واحد ويسمى الكفر ظلمة لالتباس طريقه ويسمى الإسلام نورا لوضوح طريقه ﴿والذين كفروا﴾ أي : الذين ثبت في علمه كفرهم ﴿أوليآؤهم الطاغوت﴾ أي : الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق من الكهنة وقادة الشر وإن حمل على الأصنام التي هي جمادات فالمعنى لا يكون على الموالاة الحقيقية التي هي المصادقة أو تولي الأمر بل يكون على أن الكفار يتولونهم أي : يعتقدونهم ويتوجهون إليهم.
والطاغوت تذكر وتؤنث وتوحد وتجمع
408
﴿يخرجونهم﴾ بالوساوس وغيرها من طريق الإضلال والإغواء ﴿من النور﴾ أي : الإيمان الفطري الذي جبلوا عليه كافة ﴿إلى الظلمات﴾ أي : ظلمات الكفر وفساد الاستعداد والانهماك في الشهوات أو من نور اليقينيات إلى ظلمات الشكوك والشبهات وإسناد الإخراج إلى الطاغوت مجاز لكونها سببا له وذلك لا ينافي كون المخرج حقيقة هو الله تعالى فالآية لا تصلح أن تكون متمسكا للمعتزلة فيما ذهبوا إليه من أن الكفر ونحوه مما لا يكون أصلح للعبد ليس من الله تعالى بناء على أنه أضاف الكفر إلى الطاغوت لا إلى نفسه ﴿أوالائك﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما يتبعه من القبائح ﴿أصحاب النار﴾ أي : ملابسوها وملازموها بسبب ما لهم من الجرائم ﴿هم فيها خالدون﴾ ماكثون أبدا ولم يقل بعد قوله ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون تعظيما لشأن المؤمنين لأن البيان اللفظي لا يفي بما أعد لهم في دار الثواب.
جزء : 1 رقم الصفحة : 408
واعلم أن مراتب المؤمنين في الإيمان متفاوتة وهم ثلاث طوائف.
عوام المؤمنين ، وخواصهم ، وخواص الخواص.
فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية كقوله تعالى : ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾ (محمد : 17).