تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ (الفتح : 16) والمعنى لا إجبار في الدين لأن من حق العاقل أن لا يحتاج إلى التكليف والإلزام بل يختار الدين الحق من غير تردد وتلعثم لوضوح الحجة ﴿قد تبين الرشد﴾ هو لفظ جامع لكل خير والمراد ههنا الإيمان الذي هو الرشد الموصل إلى السعادة الأبدية لتقدم ذكر الدين ﴿من الغى﴾ أي : من الكفر الذي هو المؤدي إلى الشقاوة السرمدية.

قال الراغب الغي كالجهل يقال اعتبارا بالاعتقاد والغي اعتبارا بالأفعال ولهذا قيل : زوال الجهل بالعلم وزوال الغي بالرشد ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ هو كل ما عبد من دون الله مما هو مذموم في نفسه ومتمرد كالإنس والجن والشياطين وغيرهم فلا يرد عيسى عليه الصلاة والسلام والكفر به عبارة عن الكفر باستحقاقه العبادة ﴿ويؤمنا بالله﴾ بالتوحيد وتصديق الرسل لأن الكفر بالأنبياء والكتب يمنع حقيقة الإيمان بالله لأن الإيمان بالله حقيقة يستلزم الإيمان بأوامره ونواهيه وشرائعه المعلومة بالدلائل التي أقامها الله لعباده وتقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان به تعالى لتوقفه عليه فإن التخلية بالمعجمة متقدمة على التحلية بالمهملة ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي بالغ في التمسك بالحلقة الوكيدة.

وعروة الجسم الكبير الثقيل الموضع الذي يتعلق به من يأخذ ذلك الجسم ويحمله.

والوثقى فعلى للتفضيل تأنيث الأوثق كفضلى تأنيث الأفضل ﴿لا انفصام لها﴾ أي : لا انقطاع وهو استئناف لبيان قوة دلائل الحق بحيث لا يعتريها شيء من الشبه والشكوك فإن العروة الوثقى استعارة المحسوس للمعقول لأن من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها وصفها الله بأنها العروة الوثقى.

قال المولى أبو السعود الكلام تمثيل مبني على تشبيه الهيئة المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق الذي لا يحتمل النقيض أصلا لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه فلا استعارة في المفردات ﴿والله سميع﴾ بالأقوال ﴿عليم﴾ بالعزائم والعقائد يعلم غيها ورشدها وباطلها وحقها ويجري كلا على وفق عمله وقوله وعقده وهو أبلغ وعد ووعيد.

جزء : 1 رقم الصفحة : 406

واعلم أن حقيقة الإيمان كونه متعلقا بالله على وجه الشهود والعيان ومجازه كونه متعلقا به على وجه الرسم والبيان أو بالطاغوت وحقيقة الكفر كونه متعلقا بالطاغوت ومجازه كونه متعلقا بوحدة الله أو بنعمته فإن الكفر ثلاثة أقسام : كفر النعمة وكفر الوحدة وكفر الطاغوت وأفراد الإنسان ثلاثة أقسام أيضا : أصحاب الميمنة وهم أرباب الجمال ومظاهره وأصحاب المشأمة وهم أرباب الجلال ومظاهره والمقربون وهم أصحاب الكمال ومظاهره وقلوب الفريق الأول في أيدي سدنة الجمال الإلهي من الملائكة المقربين وقلوب الفريق الثاني في أيدي سدنة الجلال الإلهي من الشياطين المتمردين يستعملونها في سبيل الشرور وقلوب الفريق الثالث في يد الله الملك المتعال يد الله فوق أيدي سدنة الجمال والجلال يقلبها كيف يشاء بين التجليات العاليات والعلوم والمعارف الإلهيات ولما تعلق إيمان هذه الفرق بالله على وجه الشهود والعيان وتعلق كفرهم بالطاغوت جليا أو خفيا كان إيمانهم وكفرهم حقيقيين وجاوزوا من عالم المجاز إلى عالم الحقيقة وأما الفريق الثاني فقد تعلق إيمانهم بالطاغوت مطلقا جليا أو خفيا وكفرهم بالوحدة والنعمة فكان إيمانهم وكفرهم مجازيين لكن إيمانهم

407

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٣٣