والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى : ﴿الذين ءامنوا وتطماان قلوبهم بذكر الله﴾ (الرعد : 28) واطمئنان القلب بالذكر لم يكن إلا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية.
وخواص الخواص يخرجهم من ظلمات حدوث الحلقة الروحانية بإفنائهم عن وجودهم إلى نور تجلي صفة القدم لهم ليبقيهم به كقوله تعالى : ﴿نحن نقص عليك نبأهم بالحقا إنهم﴾ (الكهف : 13) الآية نسبهم إلى الفتوة لما خاطروا بأرواحهم في طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بطاغوت دقيانوس فلما تقربوا إلى الله بقدم الفتوة تقرب إليهم بمزيد العناية فأخرجهم من ظلمات النفسانية إلى نور الروحانية فلما تنورت أنفسهم بأنوار أرواحهم اطمأنت إلى ذكر الله وآنست به واستوحشت عن محبة أهل الدنيا وما فيها فأحبوا الخلاء كما كان حال النبي عليه الصلاة والسلام في بدء الأمر قالت عائشة رضي الله عنها أول ما بدىء به عليه الصلاة والسلام كان حبب إليه الخلاء ولعمري هذا دأب كل طالب محق مريد صادق كذا في "التأويلات النجمية".
قال الفخر الرازي : بطريق الاعتراض إن جمعا من الصوفية يقولون الاشتغال بغير الله حجاب عن معرفة الله والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون الخلق إلا إلى الطاعات والتكاليف فهم يشغلون الخلق بغير الله ويمنعونهم عن الاشتغال بالله فوجب أن لا يكون ذلك حقا وصدقا انتهى كلامه.
يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة هذا الاعتراض ليس بشيء فإن الطاعات والتكاليف ، وسائل إلى معرفة الله الملك اللطيف فالدعوة ليست إلا إلى معرفة الله حقيقة ألا يرى إلى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما عند قوله تعالى : ﴿وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات : 56) بقوله : ليعرفون وإنما عدل عنه إلى ليعبدون مع أنه خلاف مقتضى الظاهر حينئذ إشعارا بأن المعرفة المقبولة هي التي تحصل بطريق العبادة فالاشتغال بغير الله وبغير عبادته حجاب أي حجاب ولذلك
409
كان بدء حال السلف الخلاء والانقطاع عن الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واهتماما في رفع الحجاب الحاصل بالاختلاط ، وفي "المثنوي" :
جزء : 1 رقم الصفحة : 408
آدمي راهست درهر كار دست
ليك ازو مقصود اين خدمت بدستما خلقت الجن والإنس أين بخوان
جز عبادت نيست مقصود ازجهان
تاجلا باشد مران آيينه را
كه صفا آيد زطاعت سينه راس
جزء : 1 رقم الصفحة : 408
﴿ألم تر﴾ أي : ألم ينته علمك الذي يضاهي العيان في الإيقان وحقيقته اعلم بأخبارنا فإنه مفيد لليقين ﴿إلى الذى﴾ أي : إلى قصة الملك الذي ﴿حآج﴾ أي : جادل وخاصم وقابل بالحجة ﴿إبراهام﴾ في معارضة ربوبيته ﴿فى ربه﴾ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع أن الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريف له وإيذان بتأييده في المحاجة والذي حاج هو نمرود بن كنعان بن سام بن نوح وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر وادعى الربوبية ﴿أن ءاتااه الله الملك﴾ أي : لأن آتاه فهو مفعول له لقوله حاج.
وله معنيان : أحدهما أنه من باب العكس في الكلام بمعنى أنه وضع المحاجة موضع الشكر إذ كان من حقه أن يشكر في مقابلة إيتاء الملك ولكنه عكس ما هو الحق الواجب عليه كما تقول عاداني فلان لأني أحسنت إليه تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان ، والثاني أن إيتاء الملك حمله على ذلك لأنه أورثه الكبر والبطر فنشأ عنهما المحاجة والمعنى أعطاه كثرة المال واتساع الحال وملك جميع الدنيا على الكمال.
قال مجاهد لم يملك الدنيا بأسرها إلا أربعة مسلمان وكافران فالمسلمان سليمان وذو القرنين والكافران نمرود وبخت نصر وهو شداد بن عاد الذي بنى إرم في بعض صحاري عدن.
ثم هو حجة على من منع إيتاء الله الملك للكافر وهم المعتزلة لأن مذهبهم وجوب رعاية الأصلح للعبد على الله وإيتاء الله الملك للكافر تسليط له على المؤمنين وذلك ليس بأصلح لحال المؤمن قلنا إنما ملكه امتحانا له ولعباده ﴿إذ قال إبراهام﴾ ظرف لحاج ﴿ربي الذى يحى ويميت﴾ روى أنه عليه السلام لما كسر الأصنام سجنه ثم أخرجه ليحرقه فقال : من ربك الذي تدعونا إليه قال :
جزء : 1 رقم الصفحة : 410