تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن الأنبياء عليهم السلام يعينون نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة فيأتي الناس إليه فيقول : أنا لها وهو المقام المحمود الذي وعده الله به يوم القيامة فيأتي ويسجد ويحمد الله بمحامد يلهمه الله تعالى إياها في ذلك الوقت لم يكن يعلمها قبل ذلك ثم يشفع إلى ربه أن يفتح باب الشفاعة للخلق فيفتح الله ذلك الباب فيأذن في الشفاعة للملائكة والرسل والأنبياء والمؤمنين فهذا يكون سيد الناس يوم القيامة فإنه شفع عند الله أن يشفع الملائكة والرسل ومع هذا تأدب صلى الله عليه وسلم وقال : "أنا سيد الناس" ولم يقل سيد الخلائق فيدخل الملائكة في ذلك مع ظهور سلطانه في ذلك اليوم على الجميع وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع له بين مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم ولم يكن ظهر له على الملائكة ما ظهر لآدم عليهم من اختصاصه بعلم الأسماء كلها فإذا كان في ذلك اليوم افتقر إليه الجميع من الملائكة والناس من آدم فمن دونه في فتح باب الشفاعة وإظهار ماله من الجاه عند الله إذ كان القهر الإلهي والجبروت الأعظم قد أخرس الجميع فدل على عظيم قدره عليه السلام حيث أقدم مع هذه الصفة الغضبية الإلهية على مناجاة الحق فيما سأله فيه فأجابه الحق سبحانه كذا في "تفسير الفاتحة" للمولى الفناري عليه رحمة الباري.

واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من يفتح باب الشفاعة فيشفع في الخلق ثم الأنبياء ثم الأولياء ثم المؤمنون وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين فإن الرحمن ما شفع عند المنتقم في أهل البلاء إلا بعد شفاعة الشافعين الذين لم تظهر شفاعتهم إلا بعد شفاعة خاتم الرسل إياهم ليشفعوا ومعنى شفاعة الله سبحانه هو أنه إذا لم يبق في النار مؤمن شرعي أصلا يخرج الله منها قوما علموا التوحيد بالأدلة العقلية ولم يشركوا بالله شيئا ولا آمنوا إيمانا شرعيا ولم يعلموا خيرا قط من حيث ما اتبعوا فيه نبيا من الأنبياء فلم يكن عندهم ذرة من إيمان فيخرجهم أرحم الراحمين فاعرف هذا فإنه من الغرائب أفاده لي شيخي العلامة إفادة كشفية وصادفته أيضا في تفسير الفاتحة للمولى الفناري اللهم اغفر وارحم وأنت أرحم الراحمين ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ استئناف آخر لبيان إحاطة علمه بأحوال خلقه المستلزم لعلمه بمن يستحق الشفاعة ومن لا يستحقها أي : يعلم ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما يكون بعدهم من أمر الآخرة أو ما بين أيديهم يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم أو ما بين أيديهم من السماء إلى الأرض وما خلفهم يريد ما في السموات أو ما بين أيديهم بعد انقضاء آجالهم وما خلفهم أي ما كان قبل أن يخلقهم أو ما فعلوه من خير وشر وقدموه وما يفعلونه بعد ذلك والمقصود بهذا الكلام بيان أنه عالم بأحوال الشافع والمشفعوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب.

جزء : 1 رقم الصفحة : 397

والضمير لما في السموات وما في الأرض لأن فيهم العقلاء فغلب

402

من يعقل على غيره أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء فيكون للعقلاء خاصة.

﴿ولا يحيطون﴾ أي : لا يدركون يعني من الملائكة والأنبياء وغيرهم ﴿بشيء من علمه﴾ أي : من معلوماته ﴿إلا بما شآء﴾ أن يعلموه وأن يطلعهم عليه كأخبار الرسل فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول وإنما فسرنا العلم بالمعلوم لأن علمه تعالى الذي هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا بتبعض فجعلناه بمعنى المعلوم ليصح دخول التبعيض والاستثناء عليه.

وفي "التأويلات النجمية" : ﴿يعلم﴾ محمد عليه السلام ﴿ما بين أيديهم﴾ من الأمور الأوليات قبل خلق الله الخلائق كقوله : أول ما خلق الله نوري ﴿وما خلفهم﴾ من أهوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي وحوالة الخلق بعضهم إلى بعض حتى بالاضطرار يرجعون إلى النبي عليه السلام لاختصاصه بالشفاعة ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ يحتمل أن تكون الهاء كناية عنه عليه السلام يعني هو شاهد على أحوالهم يعلم ما بين أيديهم من سيرهم ومعاملاتهم وقصصهم وما خلفهم من أمور الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيئا من معلوماته ﴿إلا بما شآء﴾ أن يخبرهم عن ذلك انتهى.

قال شيخنا العلامة أبقاه الله بالسلامة في "الرسالة الرحمانية في بيان الكلمة العرفانية" : علم الأولياء من علم الأنبياء بمنزلة قطرة من سبعة أبحر وعلم الأنبياء من علم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بهذه المنزلة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة انتهى وفي القصيدة البردية :

وكلهم من رسول الله ملتمس

غرفا من البحر أو رشفا من الديم

وواقفون لديه عند حدهم

جزء : 1 رقم الصفحة : 397

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٢٩