من نقطة العلم أو من شكلة الحكم حاصله أن علوم الكائنات وإن كثرت بالنسبة إلى علم الله عز وجل بمنزلة نقطة أو شكلة ومشربها بحر روحانية محمد صلى الله عليه وسلم فكل رسول ونبي وولي آخذون بقدر القابلية والاستعداد مما لديه وليس لأحد أن يعدوه أو يتقدم عليه.
قوله النقطة فعلة من نقطت الكتاب نقطا ومعناها الحاصل.
والشكلة بالفتح فعلة من شكلت الكتاب قيدته بالإعراب ﴿وسع كرسيه السماوات والارض﴾ الكرسي ما يجلس عليه من الشيء المركب من خشبات موضوعة بعضها فوق بعض ولا يفضل على مقعد القاعدة وكأنه منسوب إلى الكرس الذي هو الملبد وهو ما يجعل فيه اللبدة أي : لم يضق كرسيه عن السموات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد.
وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله تعالى في أرضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء فوضع الميزان وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال : ﴿الرحمان على العرش استوى﴾ (طه : 5) ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال : ﴿وسع كرسيه السماوات والارض﴾ والحاصل أن كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ولما توافقت
403
الأمة ههنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه تعالى منزه عن أن يكون في الكعبة ما يوهمه تلك الألفاظ فكذا الكلام في العرش والكرسي.
والمعتمد كما قال الإمام : إن الكرسي جسم بين يدي العرش محيط بالسموات السبع لأن الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل قال صلى الله عليه وسلم "ما السموات السبع والأرضون السبع من الكرسي إلا كحلقة في فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" ولعله الفلك الثامن وهو المشهور بفلك البروج.
قال مقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع وهو بين يدي العرش ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكل ملك أربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام.
ملك على صورة سيد البشر آدم عليه الصلاة والسلام وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة.
وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل.
وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة.
وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل للطير الرزق من السنة إلى السنة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 397
وفي "التأويلات النجمية" : أما القول في معنى الكرسي فاعلم أن مقتضى الدين والديانة أن لا يؤول المسلم شيئا من الأعيان مما نطق به القرآن والأحاديث بالمعاني إلا بصورها كما جاء وفسرها النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم إلا أن يكون محققا خصصه الله بكشف الحقائق والمعاني والأسرار وإشارات التنزيل وتحقيق التأويل فإذا كوشف بمعنى خاص أو إشارة وتحقيق يقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط وفي الجنة من الحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها من العرش والكرسي والشمس والقمر والليل والنهار ولا يؤول شيئا منها على مجرد المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائق معانيها فإن الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى وما خلق شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب فافهم جدا وما خلق في العالمين شيئا إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان فإذا عرفت هذا فاعلم أن مثال العرش في عالم الإنسان قلبه إذ هو محل استواء الروح عليه ومثال الكرسي سر الإنسان والعجب كل العجب أن العرش مع نسبته إلى استواء الرحمانية قيل : هو كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى وسعة قلب المؤمن انتهى ما في "التأويلات".
وفي "المثنوي" :
كفت يغمبر كه حق فرموده است
من نكنجم هي در بالا وست
در زمين وآسمان وعرش نيز
من نكنجم اين يقين دان اين عزيز
دردل مؤمن بكنجم أي : عجب
كرمرا جويى دران لدها طلب
خود بزركى عرش باشد بس مديد
جزء : 1 رقم الصفحة : 397
ليك صورت كيست ون معنى رسيد
404