تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن موسى عليه السلام سأل الملائكة وكان ذلك في نومه أينام ربنا فأوحى الله تعالى إليهم أن يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام ثم قال : خذ بيدك قارورتين مملوءتين فأخذهما فأخذه النوم فزالتا وانكسرتا ثم أوحى الله إليه أني أمسك السموات والأرض بقدرتي فلو أخذني

400

نوم أو نعاس لزالتا كذا في "الكشاف".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" قال ابن الملك : هذا بيان لاستحالة وقوع النوم منه لأنه عجز والله تعالى يتعالى عنه انتهى وحظ العبد من هذا الوصف أن يترك النوم فإن الله تعالى وإن رخص للعباد في المنام بل هو فضل منه تعالى لكن كثرة المنام بطالة وإن الله تعالى لا يحب البطال.

قال أبو يزيد البسطامي قدس سره : لم يفتح لي شيء إلا بعد أن جعلت الليالي أياما ، قال السعدي قدس سره :

سرآنكه ببالين نهد هو شمند

كه خوابش بقهر آورد دركمند

قيل : كان رجل له تلميذان اختلفا فيما بينهما فقال أحدهما النوم خير لأن الإنسان لا يعصي في تلك الحالة وقال الآخر : اليقظة خير لأنه يعرف الله في تلك الحالة فتحاكما إلى ذلك الشيخ فقال الشيخ : أما أنت الذي قلت بتفضيل اليقظة فالحياة خير لك وقيل : اشترى رجل مملوكة فلما دخل الليل قال : افرشي الفراش فقالت المملوكة : يا مولاي ألك مولى؟ قال : نعم قالت : ينام مولاك قال : لا فقالت : ألا تستحي أن تنام ومولاك لم ينم ، ومن الأبيات التي كان يذكرها بلال الحبشي رضي الله عنه وقت السحر :

يا ذا الذي استغرق في نومه

ما نوم عبد ربه لا ينام

أهل تقول إنني مذنب

جزء : 1 رقم الصفحة : 397

مشتغل الليل بطيب المنام ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ تقرير لقيوميته تعالى واحتجاج به على تفرده في الألوهية لأنه تعالى خلقهما بما فيهما والمشاركة إنما تقع فيما فيهما ومن يكن له ما فيهما فمحال مشاركته فكل من فيهما وما فيهما ملكه ليس لأحد معه فيه شركة ولا لأحد عليه سلطان فلا يجوز أن يعبد غيره كما ليس لعبد أحدكم أن يخدم غيره إلا بإذنه والمراد بما فيهما ما هو أعم من أجزائهم الداخلة فيهما ومن الأمور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فهو أبلغ من أن يقال له السموات والأرض وما فيهن لأن قوله وما فيهن بعد ذكر السموات والأرض إنما يتناول الأمور الخارجة المتمكنة فيهن إذ لو أريد به ما يعم الأمور الداخلة فيهما والخارجة عنهما لأغنى ذكره عن ذكرهما ﴿من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه﴾ من مبتدأ وذا خبره والذي صفة ذا أو بدل منه ولفظ من وإن كان استفهاما فمعناه النفي ولذلك دخلت إلا في قوله : ﴿إلا بإذنه﴾ و﴿عنده﴾ فيه وجهان : أحدهما أنه متعلق بيشفع.

والثاني : أنه متعلق بمحذوف في موضع الحال من الضمير في يشفع أي : لا أحد يشفع مستقرا عنده إلا بإذنه وقوي هذا الوجه بأنه إذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريب منه فشفاعة غيره أبعد وإلا بإذنه متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل يشفع فهو استثناء مفرغ والباء للمصاحبة والمعنى لا أحد يشفع عنده في حال من الأحوال إلا في حال كونه مأذونا له أو لا أحد يشفع عنده بأمر من الأمور إلا بإذنه والباء للاستعانة كما في ضرب بسيفه فيكون الجار والمجرور في موضع المفعول به وكان المشركون يقولون أصنامنا شركاء الله تعالى وهم شفعاؤنا عنده فوحد الله نفسه بالنفي والإثبات ليكون المعنى في ثبوت التوحيد ونفي الشرك أي : ليس لأحد أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه وقد أخبر أنه لا يأذن في الشفاعة للكفار وهو رد على المعتزلة في أنهم لا يرون الشفاعة أصلا والله تعالى أثبتها للبعض بقوله : ﴿إلا بإذنه﴾ .

وفي "التأويلات النجمية" : هذا الاستثناء راجع إلى

401

لنبي عليه الصلاة والسلام لأن الله قد وعد له المقام المحمود وهو الشفاعة فالمعنى من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد فإنه مأذون موعود ويعينه الأنبياء بالشفاعة انتهى :

جزء : 1 رقم الصفحة : 397

غم نخورد آنكه شفيعش تويى

ايه ده قدر رفيعش تويى

حاصلي ارنيست ز طاعت مرا

هست هست اميدي بشفاعت مرا

قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة".

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٢٨