تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الإمام الغزالي في "شرح الأسماء الحسنى" : "الحي" هو الفعال الدراك حتى أن من لا فعل له أصلا ولا إدراك فهو ميت وأقل درجات الإدراك أن يشعر المدرك بنفسه فما لا يشعر بنفسه فهو الجماد والميت فالحي الكامل المطلق هو الذي تندرج جميع المدركات تحت إدراكه وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشد عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول وذلك هو الله تعالى فهو الحي المطلق وكل حي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله وكل ذلك محصور في قوله : ﴿القيوم﴾ قام بالأمر إذا دبره مبالغة القائم فإنه تعالى دائم القيام على كل شيء بتدبير أمره في إنشائه وترزيقه وتبليغه إلى كماله اللائق به وحفظه.

قال الإمام الغزالي : اعلم أن الأشياء تنقسم إلى ما يفتقر إلى محل كالإعراض والأوصاف فيقال فيها أنها ليست قائمة بنفسها وإلى ما يحتاج إلى محل فيقال أنه قائم بنفسه كالجواهر إلا أن الجوهر وإن قام بنفسه مستغنيا عن محل يقوم به فليس مستغنيا عن أمور لا بد منها لوجوده وتكون شرطا في وجوده فلا يكون قائما بنفسه لأنه محتاج في قوامه إلى وجود غيره وإن لم يحتج إلى محل فإن كان في الوجود موجود يكفي ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ولا شرط في دوام وجوده وجود غيره فهو القائم بنفسه مطلقا فإن كان مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به فهو القيوم لأن قوامه بذاته وقوام كل شيء به وليس ذلك إلا الله تعالى ومدخل العبد في هذا الوصف بقدر استغنائه عما سوى الله تعالى انتهى كلام الغزالي.

قيل : الحي

399

القيوم اسم الله الأعصم.

وكان عيسى عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء يا حي يا قيوم ويقال دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يا حي يا قيوم وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما كان يوم بدر جئت أنظر ما يصنع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو ساجد يقول : "يا حي يا قيوم فترددت مرات وهو على حاله لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له" وهذا يدل على عظمة هذا الاسم.

جزء : 1 رقم الصفحة : 397

وفي "التأويلات النجمية" : إنما أشير في معنى الاسم الأعظم إلى هذين الاسمين وهما الحي والقيوم لأن اسمه الحي مشتمل على جميع أسمائه وصفاته فإن من لوازم الحي أن يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا.

واسمه القيوم : مشتمل على افتقار جميع المخلوقات إليه فإذا تجلى الله لعبد بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلي صفة الحي معاني جميع أسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلي صفة القيوم فناء جميع المخلوقات إذا كان قيامها بقيومية الحق لا بأنفسهم فلما جاء الحق زهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا الحي القيوم إذا سلب الحي جميع أسماء الله وسلب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما وإذا فني التعدد وبقيت الوحدة فيصيران اسما أعظم للمتجلي له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأما الذاكر عند غيبه فكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبه وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم كما سئل أبو يزيد البسطامي قدس سره عن الاسم الأعظم فقال الاسم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت انتهى ما في "التأويلات".

واعلم أن الاسم الأعظم عبارة عن الحقيقة المحمدية فمن عرفها عرفه وهي صورة الاسم الجامع الإلهي وهو ربها ومنه الفيض فاعرف تفز بالحظ الأوفى ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ السنة ثقلة من النعاس وفتور يعتري المزاج قبل النوم وليست بداخلة في حد النوم والنعاس أول النوم والنوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا وتقديم السنة عليه مع أن قياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود الخارجي فإن الموجود منهما أولا هو السنة ثم يعتري بعدها النوم وتوسيط كلمة لا للتنصيص على شمول النفي لكل منهما والمراد بيان انتفاء اعتراء شيء منهما له سبحانه لعدم كونهما من شأنه وإنما عبر عن عدم الاعتراء والعروض بعدم الأخذ لمراعاة الواقع إذ عروض السنة والنوم لمعروضهما إنما يكون بطريق الأخذ والاستيلاء والجملة نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حيا قيوما فإن من أخذه نعاس أو نوم كان مؤوف الحياة قاصرا في الحفظ والتدبير والمعنى لا يعتريه ما يعتري المخلوقين من السهو والغفلة والملال والفترة في حفظ ما هو قائم بحفظه ولا يعرض له عوارض التعب المحوجة إلى الاستراحة فيستريح بالنوم والسنة لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة فكما أنه موصوف بصفات الكمال فهو منزه عن جميع صفات النقصان.

جزء : 1 رقم الصفحة : 397

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٢٧