تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واختلفوا في الكلام الذي سمعه موسى وغيره من الله تعالى هل هو الكلام القديم الأزلي الذي ليس من جنس الحروف والأصوات.

قال الأشعري وأتباعه : المسموع هو ذلك الكلام الأزلي قالوا كما أنه لم تمتنع رؤية ما ليس بمكيف فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف.

وقيل : سماع ذلك الكلام محال وإنما المسموع هو الحروف والصوت ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ أي : على درجات فانتصابه على نزع الخافض وذلك بأن فضله على غيره من وجوه متعددة أو بمراتب متباعدة والظاهر أنه أراد محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقبة إلى ثلاثة آلاف آية وأكثر ولو لم يؤتت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات.

وفي الحديث : "فضلت على الأنبياء بست : أوتيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون".

قال في "التأويلات النجمية" : اعلم أن فضل كل صاحب فضل يكون على قدراستعلاء ضوء نوره لأن الرفعة في الدرجات على قدر رفعة الاستعلاء كما قال تعالى : ﴿والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة : 11) فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد العلم زادت الدرجة فناهيك عن هذا المعنى قول النبي عليه السلام فيما يخبر عن المعراج "أنه رأى آدم في السماء الدنيا ، ويحيى وعيسى في السماء الثانية ، ويوسف في السماء الثالثة ، وإدريس في السماء الرابعة ، وهارون في السماء الخامسة ، وموسى في السماء السادسة ، وإبراهيم في السماء السابعة ، وعبر النبي عليه السلام حتى رفع إلى سدرة المنتهى ومن ثم إلى قاب قوسين أو أدنى" فهذه الرفعة في الدرجة في القرب إلى الحضرة كانت له

394

على قدر قوة ذلك النور في استعلاء ضوئه وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض فلما غلب نور الوحدانية على ظلمة إنسانية النبي عليه السلام اضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلي صفات الجمال والجلال فكل نبي بقدر بقية ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السموات فإنه صلى الله عليه وسلم ما بقي في مكان ولا في الإمكان لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده باقيا بنور وجوده ولهذا سماه الله نورا وقال : ﴿قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ (المائدة : 15) فالنور هو محمد عليه السلام والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني إلا ههنا انتهى كلام "التأويلات النجمية".

جزء : 1 رقم الصفحة : 393

﴿ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا﴾ الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من إحياء الموتى وشفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين والإخبار بالمغيبات والإنجيل وجعل معجزاته سبب تفضيله مع أن إيتاء البينات غير مختص بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره وخص عيسى عليه السلام بالتعيين مع أنه غير مختص بإيتاء البينات تقبيحا لإفراط اليهود في تحقيره حيث أنكروا نبوته مع ما ظهر على يده من البينات القاطعة الدالة عليها ولإفراط النصارى في تعظيمه حيث أخرجوه عن مرتبة الرسالة ﴿وأيدناه﴾ أي قويناه ﴿بروح القدس﴾ أي : الروح المطهرة التي نفخها الله فيه فأبانه بها من غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى لأنه عليه السلام لم تضمه أصلاب الفحول ولم يشتمل عليه أرحام الطوامث.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٣٢٢