فالقدس : بمعنى المقدس من قبيل رجل صدق أو القدس هو الله وروحه جبريل والإضافة للتشريف والمعنى : أعانه بجبريل في أول أمره وفي وسطه وفي آخره أما في الأول من أمره فلقوله : ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ (التحريم : 12) وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم وحفظه من الأعداء وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل ورفعه إلى السماء ﴿ولو شآء الله ما اقتتل الذين منا بعدهم﴾ أي : من بعد الرسل من الأمم المختلفة أي : لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق ﴿من﴾ متعلقة باقتتل ﴿بعد ما جآءتهم﴾ من جهة أولئك الرسل ﴿البينات﴾ المعجزات الواضحة والآيات الظاهرة الدالة على حقيقة الحق الموجبة لاتباعهم الزاجرة عن الإعراض عن سننهم المؤدي إلى القتال ﴿ولاكن اختلفوا﴾ أي : لكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا اختلافا فاحشا ﴿فمنهم من ءامن﴾ أي : بما جاءت به أولئك الرسل من البينات وعملوا به ﴿ومنهم من كفر﴾ بذلك كفرا لا ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب اقتضاء أحوالهم ﴿ولو شآء الله﴾ عدم اقتتالهم بعد هذه المرة أيضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة.
﴿ما اقتتلوا﴾ وما نبض منهم عرق التطاول والتعاون لما أن الكل تحت ملكوته ﴿ولاكن الله يفعل ما يريد﴾ أي : من الأمور الوجودية والعدمية التي من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فإن الترك أيضا من جملة الأفعال أي يفعل ما يريد حسبما يريد من غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه منه مانع.
وفيه دليل بين على أن الحوادث تابعة لمشيئته تعالى خيرا أو شرا إيمانا كان أو كفرا وهذا نذير على المعتزلة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 393
قال الإمام الغزالي
395
قدس سره المتعالي في شرح اسمي الضار والنافع : هو الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضر وكل ذلك منسوب إلى الله تعالى إما بواسطة الملائكة والإنس والجمادات أو بغير واسطة فلا تظنن أن السم يقتل ويضر بنفسه وأن الطعام يشبع وينفع بنفسه وأن الملك أو الإنسان أو الشيطان أو شيئا من المخلوقات من فلك الكواكب أو غيرها يقدر على خير أو شر بنفسه أو نفع أو ضر بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له وجملة ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي وكما أن السلطان إذا وقع لكرامة أو عقوبة لم يضر ذلك ولا نفعه من القلم بل من الذي القلم مسخر له فكذلك سائر الوسائط والأسباب وإنما قلنا في اعتقاد العامي لأن الجاهل هو الذي يرى القلم مسخرا للكاتب والعارف يعلم أنه مسخر في يدهتعالى وهو الذي الكاتب مسخر له فإنه مهما خلق الكاتب وخلق له القدرة وسلط عليه الداعية الجازمة التي لا تردد فيها صدر منه حركة الأصبع والقلم لا محالة شاء أم أبى بل لا يمكنه أن لا يشاء فإذا الكاتب بقلم الإنسان ويده وهو الله تعالى وإذا عرفت هذا في الحيوان المختار فهو في الجمادات أظهر.
قال صاحب "روضة الأخيار" : المؤثر هو الله تعالى والكواكب أسباب عادية الشمس مظهر اسم الحي والزهرة للمريد وعطارد للمسقط والقمر للقابل ولذا كان بيت العزة في ملكه والمريخ للقادر والمشتري للعليم وزحل للجواد وأصول الأسماء أربعة هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة وإسرافيل مظهر الحياة والأقساط مندرج فيها وجبريل مظهر العلم والقول وباعتبار الأول هو روح القدس وبالثاني الروح الأمين ولذا كان حامل الوحي وميكائيل مظهر الإرادة والجود مندرج فيها ولذا كان ملك الأرزاق وعزرائيل مظهر القدرة ولذا يقهر الجبابرة ويذلهم بالموت والفناء.
جزء : 1 رقم الصفحة : 393
قال الإمام الغزالي
395