والإشارة أن المجاهد مع جالوت النفس الأمارة لا يقوم بحوله وقوته حتى يرجع إلى ربه مستعينا ﴿ربنآ أفرغ علينا صبرا﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ﴿وثبت أقدامنا﴾ في التسليم عند الشدة والرخاء وهجوم أحكان القضاء في السراء والضراء ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموما والنفس الأمارة التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصا إذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الأرض والسماء يكون مقرونا بإجابة الدعاء والظفر على الأعداء ﴿فهزموهم بإذن الله﴾ بنصرة الله فإنه الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ﴿وقتل داواد﴾ القلب ﴿جالوت﴾ النفس إذ أخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صارت الثلاثة حجرا واحدا وهو الالتفات إلى غير المولى فوضعه في مقلاع التسليم والرضى فرمى به جالوت النفس وسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من ورائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها وهزم الله باقي جيشها وهو الشياطين وأحزابها
جزء : 1 رقم الصفحة : 392
﴿وءاتااه الله الملك والحكمة﴾ يعني آتى داود القلب ملك الخلافة وحكمة الإلهامات الربانية ﴿وعلمه مما يشآء﴾ من حقائق القرآن وأسراره وإشاراته ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ الواصلين ﴿لفسدت الارض﴾ أرض استعدادهم المخلوقة في أحسن التقويم لتشمير كمالات الدين القويم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها في تخريب بلاد الأرواح بتبديل أخلاقها وتكدير صفاء ذواتها وترديدها إلى جحيم صفات البهائم والأنعام وأسفل دركاتها ﴿ولاكن الله ذو فضل على العالمين﴾ يعني من كمال فضله ورحمته يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم أسرارهم بإرادة المشايخ الكاملين ويوفقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم وتنقيتهم ويثبتهم بالصبر والسكون على الرياضات والمجاهدات في حال تزكيتهم ويشير إلى المشايخ بقبولهم والإقبال عليهم ويقويهم على شدائد المخالفات فلو لم تكن هذه الألطاف من الله ما تيسر لهم تزكية نفوسهم أبدا فهذه إشارة لا تتحقق إلا لأهل الخير ولهذا خص الله حبيبه بتحقيقها وتحققها بقوله : ﴿تلك ءايات الله﴾ يعني في ضمن هذه الآيات حقائق ودقائق ﴿نتلوها عليك﴾ أي : نجلوها لديك ﴿بالحق﴾ أي : بالحقيقة كما هي ﴿وإنك لمن المرسلين﴾ الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الأحوال والكرامات كذا في "التأويلات النجمية".
جزء : 1 رقم الصفحة : 392
﴿تلك الرسل﴾ إشارة إلى الجماعة الذين من جملتهم النبي عليه الصلاة والسلام فاللام في الرسل للاستغراق ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾ بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره.
واعلم أن الأنبياء
393
كلهم متساوون في النبوة لأن النبوة شيء واحد لا تفاضل فيها وإنما التفاضل باعتبار الدرجات.
بلغ بعضهم منصب الخلة كإبراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يحصل ذلك لغيره.
وجمع لداود بين الملك والنبوة وطيب النغمة ولم يحصل هذا لغيره.
وسخر لسليمان الجن والإنس والطير والريح ولم يحصل هذا لأبيه داود.
وخص محمدا عليه وعليهم السلام بكونه مبعوثا إلى الجن والإنس وبكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة.
ومنهم من دعا أمته بالفعل إلى توحيد الأفعال وبالقوة إلى الصفات والذات.
ومنهم من دعا بالفعل إلى الصفات أيضا وبالقوة إلى الذات.
ومنهم من دعا إلى الذات أيضا بالفعل وهو إبراهيم عليه السلام فإنه قطب التوحيد إذ الأنبياء كانوا يدعون إلى المبدأ والمعاد وإلى الذات الأحدية الموصوفة ببعض الصفات الإلهية إلا إبراهيم عليه السلام فإنه دعا إلى الذات الإلهية الأحدية ولذا أمر الله نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم باتباعه بقوله : ﴿ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ (النحل : 123) فهو من أتباع إبراهيم باعتبار الجمع دون التفصسل إذ لا متمم لتفاصيل الصفات إلا هو ولذلك لم يكن غيره خاتما فالأنبياء وإن كانوا متفاوتين في درجات الدعوة بحسب مشارب الأمم إلا أن كلهم واصلون فانون في الله باقون بالله لأن الولاية قبل النبوة حيث أن آخر درجات الولاية أول مقامات النبوة فهي تبتني على الولاية ومعنى الفناء في الله والبقاء بالله فالنبي لا يكون إلا واصلا محرزا جميع مراتب التوحيد من الأفعال والصفات والذات ﴿منهم من كلم الله﴾ أي : فضله الله بأن كلمه بغير واسطة وهو موسى عليه الصلاة والسلام فهو كليمه بمعنى مكالمه.
جزء : 1 رقم الصفحة : 393